وقال الحافظ شمس الدين الذهبي: (( وقال محمد بن سعد: حدثنا عارم، حدثنا حماد، عن أيوب، عن ابن سيرين أن عثمان جمع اثني عشر رجلا من قريش والانصار فيهم أبي بن كعب، وزيد بن ثابت في جمع القرآن. قلت: هذا إسناد قوي، لكنه مرسل. وما أحسب أن عثمان ندب للمصحف أبيا، ولو كان كذلك، لاشتهر، ولكان الذكر لأٌبي لا لزيد، والظاهر وفاة أُبي في زمن عمر حتى إن الهيثم بن عدي وغيره ذكرا موته سنة تسع عشرة. وقال محمد بن عبد الله بن نمير، وأبو عبيد، وأبو عمر الضرير: مات سنة اثنتين وعشرين، فالنفس إلى هذا أميل، وأما خليفة بن خياط، وأبو حفص الفلاس فقالا: مات في خلافة عثمان ) ) [1] .
وأقول: إن موقف الذهبي قوي، بل هو الصحيح الذي أثبتناه أعلاه. وموقف الواقدي ضعيف، بل ولا يصح، لأنه لم يثبت أن عثمان ندب أبيا لتوحيد المصاحف، وإنما صحّ الخبر أنه كلف زيد بن ثابت وآخرين بتوحيده، وهذا أمر سبق بيانه وتوثيقه. وعليه فيبدو أن سبب الاختلاف الكبير في تحديد سنة وفاة أبي بن كعب، هو سبب مُتعمد حدث عن قصد وسبق إصرار وترصد من بعض الرواة المحرفين للتاريخ لتحقيق غايات في نفوهم. فعلوا ذلك ليُخلطوا الأمر علينا بما ذكروه من سنوات مختلفة في وفاته. وبهذا يتمكنون من تمرير رواياتهم المكذوبة المتعلقة بإنكار ابن مسعود لقرآنية المعوذتين، ورد فعل أبي بن كعب من ذلك. لأنهم أدركوا أن إبقاء سنة وفاة أُبي قبل خلافة عثمان يكشف أمرهم، ولهذا لابد من تعديد سنوات وفاته إلى زمن عثمان، ليتمكنوا من تحقيق هدفهم المُخطط له سلفا. فيحدث بذلك خلط وبلبلة، ويصبح الجزم بسنة وفاته غير مُمكن.
والراجح أن الذين فعلوا ذلك هم طائفة من أهل العراق، ولهذا قال المٍزي: (( وزعم أهل العراق، أو من زعم منهم: أنه بقي إلى دهر عثمان ) ) [2] . فالرجل شك في هؤلاء، ويُؤيد هذا أيضا أنه من المعروف أن أكثر الرواة الضعفاء والكذابين المختلقين للأخبار والمحرفين لها كانوا من أهل العراق عامة، وإمامية الكوفة خاصة، ومنهم محمد بن عمر الواقدي [3] .
وبذلك يتبين جليا أنه لم يثبت أن أبي بن كعب مات في خلافة عثمان، وإنما الصحيح انه مات قبلها. وبهذا الدليل القوي يكون نقدنا المجمل لأسانيد روايات إنكار ابن مسعود قرآنية المعوذتين، قد أثبت أنها لم تصح.
وأما نقدنا المفصل لتلك الأسانيد فأوله يتعلق بإسناد الرواية الأولى. قال المستغفري: (( قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحراز الهروي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمرو بن عبد الرحمن أبو حفص الأبار عن منصور بن المعتمر، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال: وفدت ... ) ).
وهذا الإسناد لا يصح، لأن من رجاله: المؤلف: جعفر بن محمد بن المعتز بن محمد بن المستغفر النسفي المستغفري أبو العباس (ت 432هـ) :قال الذهبي: صدوق في نفسه، يروي الموضوعات ولا يوهيها [4] .
والثاني: أبو بكر أحمد بن محمد بن الحراز الهروي: لم أعثر له على ترجمة و لا على حال.
والثالث: منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكوفي (ت 132هـ) قيل فيه: ثقة، ثبت، لا يُدلس، كان فيه تشيع قليل من دون غلو حسب العجلي [5] . وقال أبو نعيم الملائي: (( سمعت حماد بن زيد يقول: رأيت منصور بن المعتمر صاحبكم، وكان من هذه الخشبية، وما أراه كان يكذب. قلت: الخشبية: هم الشيعة ) ). وهذا عند الذهبي تشيع حب وولاء فقط [6] . وجعله ابن قتيبة من رجال الشيعة [7] ، وذكره الجوزجاني من بين شيعة كبار محدثي الكوفة الذين لم يحمد الناس مذاهبهم، فجمعوا بين مذموم المذهب وصدق اللسان. ثم حذّر منهم بقوله: (( فما روى هؤلاء مما يقوي مذهبهم عن مشايخهم المغموزين وغير الثقات المعروفين فلا ينبغي أن يغتر بهم الضنين بدينه الصائن لمذهبه خيفة أن يختلط الحق المبين عنده بالباطل الملتبس فلا أجد لهؤلاء قولا هو أصدق من هذا ) ) [8] . فواضح من قوله أن الرجل لم يكن قليل التشيع كما ذكر العجلي. و قوله هذا شاهد دامغ على أن هؤلاء وأمثالهم كانوا يُمارسون التقية بإظهار الكلام المعسول، ومخالفته بما يظر من سلوكايتهم و مروياتهم المذمومة.
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 1 ص: 400.
(2) المزي: تهذيب الكمال، ج 2 ص: 271.
(3) سبق تفصيل أحواله. وعن هؤلاء الضعفاء و المحرفين أنظر كتابنا: مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي وتدوينه. والكتاب منشور ورقيا وإلكترونيا.
(4) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 3 ص: 200.
(5) بن حجر: تهذيب التهذيب، رقم: 547، ج 9 ص: 223.
(6) الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 5 ص: 407، 408.
(7) المعارف، ص: 139.
(8) أبو إسحاق الجوزجاني: أحوال الرجال، ص: 10. ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 7 ص: 47.