يا أبا نعيم اتتشيع؟ فقال يا هذا كيف بليت بك؟ واي ريح هبت بك إلي؟ نعم سمعت الحسن بن صالح ابن حي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: حب علي عبادة وخير العبادة ما كتمت )) [1] . لاحظ هذه هي التقية، وليس صحيحا أن خير العبادة ما كُتم، و إنما العبادة أنواع منها الظاهر ومنها الخفي، و هي حسب النيات حتى وإن كانت خفية، فالرجل يُمارس التقية، ويضحك بها على المُغفلين من الناس.
واستنتاجا من ذلك أقول: واضح من أحوال هذا الرجل- الفضل بن دكين- أنه كان متأثرا بتشيعه في الحكم على الرواة، وأنه كان يُمارس التقية ويُخفي حقيقته، وبها التبس حاله على كثير من المحدثين، فالرجل يتظاهر بعدم الغلو كوسيلة من وسائل ممارسة التقية وإخفاء حاله، ونشر الروايات التي تطعن في القرآن الكريم. فكان لا يُظهر غلوه علانية فظن من انطل عليه أمره أنه ليس شيعيا إماميا.
ولا يغيب عنا أن حسن الطن لا يصح دائما، فلا بد من الحزم والحذر واستخدام سوء الظن للكشف والاختبار. فليس سوء الظن كله مُنهى عنه، وإنما بعضه فقط، فإذا كان في محله فهو مطلوب، يندرج ضمن أخذ الحذر الذي أمرنا الشرع به. وقد تمكن هذا الرجل- الفضل بن دكين- من إخفاء حقيقة مذهبه عن أكثر المحدثين ودس بينهم فكره، وعاش بينهم مخادعا لهم.
والثاني: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (97 - 161 هـ) : ثقة، ثبت، حجة، مُدلس، وربما دلس عن الضعفاء، ومُرسلاته شبه الريح، فيه تشيع يسير، يثلث بعلي، و قيل أنه رجع عن ذلك. وقال: (( مؤمل بن إسماعيل: عن سفيان، قال: تركتني الروافض وأنا أبغض أن أذكر فضائل علي ) ). وسأله رجل عن من يشتم أبا بكر، فقال: كافر بالله العظيم )) [2] . وبما أنه كان يُدلس، ومرسلاته شبه الريح، وقد هنا عنعن، فالإسناد لا يصح من جهته.
وآخرهم- الثالث- أبو إسحاق السبيعي الكوفي، كثير التدليس والإرسال، وقد سبق أن بينا حاله بأنه ضعيف، وكان شيعيا يُمارس التقية، وهنا قد
(1) عباس القمي: الكُنى و الألقاب، رقم: 167، ج 1 ص: 182.
(2) ابن حجر: تهذيب التهذيب، رقم: 199، ج 3 ص: 72 و ما بعدها. و الذهبي: سير أعلام النبلاء، رقم: 82، ج 7 ص: 241، 242، 254.