الصفحة 195 من 593

وقبل إنهاء هذا الفصل أُشير هنا إلى أنه توجد روايات تضمنت القول بتعرض القرآن الكريم للتحريف. بدعوى أنه وردت روايات نصت على أن قراءة عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- كانت تُمثل العرضة الأخيرة التي قرأ فيها جبريل -عليه السلام- القرآن الكريم على النبي-عليه الصلاة والسلام- قراءة نهائية شاملة. وبما أن الأمر كذلك، وأنه وردت روايات كثيرة نصت صراحة على أن ابن مسعود عارض ما فعله عثمان في المصاحف، وكان ينكر قرآنية الفاتحة والمعوذتين، فهذا يعني أن مصحف عثمان الذي تبنته الأمة قد أصابه التحريف لأنه تضمن ثلاث سور ليست منه، وأنه لا يُمثل العرضة الأخيرة للقرآن الكريم!!. فهل هذا الزعم صحيح؟؟!!.

إنه زعم باطل إجمالا وتفصيلا، فأما إجمالا فقد سبق أن بينا - في الفصلين الأول والثاني- أن حكاية معارضة ابن مسعود لما فعله عثمان في المصاحف، وأنه كان يُنكر قرآنية الفاتحة والمعوذتين ما هي إلا زعم مٌختلق افتراه محرفو التاريخ لغايات في نفوسهم. وهذا يعني بالضرورة أن قراءة ابن مسعود لم تكن تختلف عن قراءات الصحابة، وأنها كلها كانت تمثل العرضة الأخيرة. والدليل القطعي على صحة قولنا هذا هو أن قراءة ابن مسعود هي من بين القراءات الصحيحة التي اعتمدها المُصحف العثماني.

وأما تفصيلا، فسيتبين بطلان ما زعمته تلك الروايات من خلال نقدنا المفصل لها. أولها: (( حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن بن عباس قال: كان النبي- صلى الله عليه و سلم- يعرض القرآن على جبريل في كل سنة مرة فلما كانت السنة التي قبض فيها عرضه عليه مرتين فكانت قراءة عبد الله آخر القراءة ) ) [1] .

هذا الإسناد لا يصح، لأن من رجاله: إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (100 - ،160هـ) ، سبق تفصيل حاله في الفصل الأول وتبين انه ضعيف، وشيعي إمامي كان يُمارس التقية، فالتبس حاله عن كثير من المحدثين.

والثاني إبراهيم بن مهاجر بن مهاجر البجلي أبو إسحاق الكوفي (ت من الطبقة الخامسة) قيل فيه: لا بأس به، ثقة، لم يكن بقوي، ضعيف، جائز الحديث، حديثه يُكتب في الضعفاء، كثير الخطأ، حدّث بأحاديث لا يُتابع عليها، صدوق، في حديثه لين، يُكتب حديثه ولا يُحتج به [2] . فالرجل لم يثبت توثيقه، فهو ضعيف.

والأخير- الثالث- مجاهد بن جبر أبو الحجاج المخزومي المكي مولاهم (ت نحو: 103هـ، عن 83 سنة) : ثقة يرسل، حدث عن بعض الصحابة لم يسمع منهم كعلي وسعد رضي الله عنهما، كان يُدلس، وعنعنته لا تفيد الوصل [3] . وهو هنا قد عنعن عن ابن عباس، فالإسناد مُنقطع بينهما.

والرواية الثانية: (( حدثنا فهد بن سليمان قال: ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني قال: ثنا شريك بن عبد الله وأبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان قال: قال لي ابن عباس: على أي القراءتين تقرأ قلت على القراءة الأولى قراءة ابن مسعود. قال: بل قراءة ابن مسعود هي الآخرة، إن جبرائيل -صلى الله عليه وسلم- كان يعرض على نبي الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن في كل رمضان فلما كان العام الذي مات فيه عرضه مرتين فشهد عبد الله ما نسخ منه وما بدل ) ) [4] .

وهذا الإسناد لا يصح، لأن من رواته: شريك بن عبد الله، تقدم تفصيل حاله في الفصل الأول، وتبين أنه ضعيف ضبطا وعدالة، والراجح أنه كان شيعيا إماميا يُمارس التقية.

والثاني أبو معاوية محمد بن خازم الضرير، ذكرنا حاله في الفصل الأول، وتبين أنه ضعيف، ومدلس، عده الشيعة الإمامية من رجالهم. وبما أنه كان يُدلس وهنا قد عنعن، فالإسناد غير متصل بينه وبين الأعمش.

والثالث وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي (128 - 196هـ) : وثقه أكثر المحدثين، وأثنوا عليه [5] ، و جعله ابن قتيبة من رجال الشيعة [6] . وقال

(1) أحمد بن حنبل: المسند، رقم الحديث: 3001، ج 1 ص: 325.

(2) ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 12 ص: 109.

(3) بن حجر: تهذيب التهذيب، رقم: 68، ج 9 ص: 30.

(4) أبو جعفر الطحاوي: بيان مشكل الآثار، ج 6 ص: 386.

(5) ابن حجر: تهذيب التهذيب، رقم: 211، ج 10 ص: 85 و ما بعدها.

(6) المعارف، ص: 139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت