الصفحة 197 من 593

وتفصيل ذلك أن الرجل حدّث في مكة برواية باطلة فيها طعن في الصحابة عامة وأبي بكر خاصة، والرواية مكذوبة، وهي شاهد دامغ على تشيع وكيع وسوء موقفه من هؤلاء، قال الذهبي: (( علي بن خشرم: نا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله البهي، أن أبا بكر الصديق جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته، فأكب عليه فقبله وقال: بأبي أنت وأمي، ما أطيب حياتك ومماتك. ثم قال البهي: وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- تُرك يومًا وليلة حتى ربا بطنه، وأنثنت خنصراه. قال ابن خشرم: فلما حدّث وكيع بهذا بمكة اجتمعت قريش وأرادوا صلبه، ونصبوا خشبة ليصلبوه، فجاء ابن عيينة، فقال لهم: الله، هذا فقيه أهل العراق وابن فقيهه، وهذا حديث معروف. قال: ولم أكن سمعته، إلا أني أردت تخليص وكيع. قال ابن خشرم: سمعته من وكيع بعدما أرادوا صلبه. فتعجبت من جسارته. وأخبرت أن وكيعًا احتج فقال: إن عدة من الصحابة منهم عمر قالوا: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يمت، فأحب الله أن يريهم آية الموت. رواها أحمد بن محمد بن علي بن رزين الباشاني، عن علي بن خشرم. ورواه قتيبة، عن وكيع. وهذه هفوة من وكيع، كادت تذهب فيها نفسه. فما له ولرواية هذا الخبر المنكر المنقطع؛ وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع ) ) [1] .

وعلق الذهبي على ذلك أيضا في كتابه: سير أعلام النبلاء بقوله: (( فهذه زلة عالم، فما لوكيع، ولرواية هذا الخبر المنكر، المنقطع الإسناد! كادت نفسه أن تذهب غلطا، والقائمون عليه معذورون، بل مأجورون، فإنهم تخيلوا من إشاعة هذا الخبر المردود، غضا ما لمنصب النبوة، وهو في بادئ الرأي يوهم ذلك، ولكن إذا تأملته، فلا بأس - إن شاء الله - بذلك، فإن الحي قد يربو جوفه، وتسترخي مفاصله، وذلك تفرع من الأمراض(وأشد الناس بلاء الأنبياء ) ) [2] .

وأقول: هذا تبرير ضعيف، لا ينفي ما صدر عن الرجل وما فعله. والحقيقة إن هذه الحادثة هي شاهد قوي على حقيقة وكيع و ليست خطأ، ولا هفوة، وإنما هي هفوة أن الرجل لم يُحسن اختيار المكان المناسب ليُعبر عن دخيلته في موقفه من الصحابة. فذلك القول لا يصح أن يقوله مُسلم صحيح الإيمان والاعتقاد. وعليه فمهما قيل في الدفاع عن وكيع

(1) الذهبي: تاريخ الإسلام، ج 13، ص: 441 و ما بعدها.

(2) ج 9 ص: 161، 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت