وآخرهم - الرابع- الأعمش سليمان بن مهران، سبق تفصيل حاله، وتبين انه ضعيف، مٌدلس، شيعي يُمارس التقية، وهو هنا قد عنعن. فلا يصح الإسناد من جهته، كما لم يصح من جهة الذين رووا عنه.
والرواية الثالثة: (( حدثنا عبد اللّه بن رجاء، وشريح بن النعمان قالا: حدثنا محمد بن طلحة، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن عابس، عن رجل، عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه اجتمع إليه ناس من أهل الكوفةِ فقرأ عليهم السلامَ، وأمرهُم بتقوى الله، وألا يختلفوا في القرآن ولا يتنازعوا فيه ... قد علمتُ أنَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يُعْرَض عليه القرآن كل عام مرَة، فعُرِض عليه عامَ قُبِضَ مَرَّتَيْن. إذا قرأتُ عليه فيخبرني أني محسن، فمن قرأ علي قراءتي فلا يدعَنَّها رَغْبَةً عنها، ومن قرأ علي شيئا من هذه الحروف فلا يَدَعَنّه رغبة عنه فإنه من جَحَد شيئًا منه جَحَد به كلَه ) ) [1] .
هذا الإسناد لا يصح أيضا، لأن من رجاله: عبد الله بن رجاء بن عمر الغداني البصري (219أو 220 هـ) : صدوق، ثقة، كثير الغلط والتصحيف ليس بحجة [2] .
والثاني: محمد بن طلحة بن مصرف الكوفي اليامي (ت 167هـ) ، قيل فيه: ضعيف، ليس بالقوي، لا بأس به، لا يكاد يقول في حديثه: حدثنا- بمعنى أنه كان يُدلس-، له أحاديث مُنكرة، مُتهم بالكذب لأنه حدث عن أبيه ولم يسمع منه، يُخطئ، ثقة، حذّر ابن معين من حديثه [3] . وقد جعله الشيعة الإمامية من رجالهم [4] . ويتبين من أحواله أنه كان يُمارس التقية مُصرا على التلاعب بالروايات. وبما أن لك حاله، وكان يُدلس، وهنا قد عنعن فالإسناد لا يصح من جهته.
والثالث: زبيد بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب اليامي الكوفي أبو عبد الله (ت 124هـ) ، قيل فيه: ثقة ثبت، علوي يميل إلى التشيع، كان يُفضل عليا على عثمان [5] . لم يذكره ابن قتيبة من رجال الشيعة، ولا ألحقه الشيعة الإمامية برجالهم [6] . و هو من بين شيعة محدثي الكوفة الذين ذكرهم الجوزجاني وحذر منهم ومن مروياتهم.
وآخرهم- الرابع (( عن رجل) ، فهو مجهول الحال والعين، فالإسناد منقطع بينه وبين ابن مسعود. والإسناد كله لا يصح لانقطاعه وضعف بعض رواته.
والرواية الأخيرة- الرابعة-: (( أخبرنا نصر بن علي، عن معتمر، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي ظبيان قال: قال لنا ابن عباس أي القراءتين تقرؤون قلنا قراءة عبد الله قال: إن رسول الله كان يعرض عليه القرآن في كل عام مرة وإنه عرض عليه في العام الذي قبض فيه مرتين فشهد عبد الله ما نسخ ) ) [7] .
وأقول: هذا الإسناد لا يصح، لأن من رواته: نصر بن علي بن نصر بن علي بن صهبان الأزدي الجهضمي (ت 250هـ) : ثقة [8] ،و قد اتهمه الخليفة المتوكل بالرفض بسبب حديث رواه فيه تشيع، فأمر بضربه [9] . وجعله الشيعة من رجالهم ورواياته في كتبهم الإمامية [10] .
والثاني: معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي (100 - 187 هـ) ، قيل فيه: ثقة، صدوق، سيء الحفظ [11] ، رجل صالح يأخذ عن الكل، ضعيف من جهة الضبط، من ذلك ما رواه يحيى بن سعيد، فقال: (( قال لي سفيان الثوري: كان عندي ابن التيمي- أي معتمر-، فلم يفرق بين ليث، ومنصور، إلا أنه كان رجلًا صالحًا ) ) [12] .
والثالث: سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر البصري (ت 143هـ عن 97 سنة) : ثقة، مُدلس، كان مائلا إلى علي بن أبي طالب، مُرسلاته شبه لا شيء، حدث عن أقوام لم يسمع منهم [13] . وذكره ابن قتيبة من رجال الشيعة [14] . لكن لم أعثر على أن ما يدل على أن الشيعة الإمامية
(1) ابن شبة، تاريخ المدينة المنورة، ح 2 ص: 175.
(2) الذهبي: المغني في الضعفاء، رقم: 3168، ج 1 ص: 338.
(3) ابن حجر: تهذيب، ج 8 ص: 174. و الذهبي: الميزان، ج 2 ص: 396.
(4) أنظر مثلا: عبد الحسين الشبستري: أصحاب الإمام الصادق، ج 4 ص: 109. و أبو جعفر الطوسي: رجال الطوسي، ج 1 ص: 480.
(5) ابن حجر: تهذيب، ج 2 ص: 204. و أحمد بن حنبل: موسوعة أقوال الإمام أحمد، ج 1 ص: 345.
(6) بناءً على المصادر و المراجع التي رجعت إليها.
(7) النسائي: فضائل القرآن، حققه فاروق حمادة، دار إحياء العلوم، بيروت، 1992، ص: 72، رقم: 19. و السنن الكبرى، ج 5 ص: 74، رقم: 8258.
(8) ابن حجر: التقريب، ج 2 ص: 243.
(9) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، رقم: 7255، ج 7 ص: 332.
(10) أنظر مثلا: محمد ابن جرير الطبري الشيعي: دلائل الإمامة، ج 1 ص: 275. و آغا برزك: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ط2، دار الأضواء، بيروت، ج 3 ص: 213.
(11) ابن حجر: تهذيب التهذيب، رقم: 417، ج 9 ص: 162.
(12) أحمد بن حنبل: موسوعة أقوال الإمام أحمد، رقم: 2575، ج 3 ص: 335.
(13) ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 3 ص: 135 و ما بعدها.
(14) المعارف، ص: 139.