جعلوه من رجالهم. ولهذا فلعل الرجل كان شيعيا سنيا لا إماميا. وبما أنه كان يُدلس، وهنا قد عنعن فالإسناد لا يصح من جهته.
وآخرهم - الرابع- سليمان بن مهران الأعمش، سبق تفيصل حاله، وتبين أنه ضعيف، وكان شيعيا إماميا يُمارس التقية في علاقته بالمحدثين.
وتعليقا على تلك الروايات أقول: أولا فقد تبين منها أن متونها تتضمن القول بتعرض القرآن الكريم للتحريف بدعوى أنه تضمن ثلاث سور ليست منه، وخالف مصحف ابن مسعود الذي كان يُمثل العرضة الأخيرة حسب زعمها. وهذا زعم باطل جملة وتفصيلا، لأنه سبق أن بينا أن كل أسانيدها باطلة، ولم يصح منها ولا إسناد واحد. ولأنه سبق أن أقمنا الأدلة القاطعة بأن القرآن الكريم لم يتعرض للتحريف، وان أية رواية زعمت ذلك فهي باطلة بالضرورة.
لكنها- أي تلك الروايات- من جهة أخرى فهي - مع عدم صحة أسانيدها- تحتمل وجها صحيحا مفاده أن قراءة ابن مسعود حقا أنها كانت تمثل العرضة الأخيرة، لكنها ليست هي الوحيدة التي كانت تُمثل ذلك، وإنما هي من بين باقي قراءات الصحابة التي كانت تمثل تلك العرضة. فليس ابن مسعود الذي انفرد بذلك، ولا يصح شرعا ولا عقلا ولا تاريخا أن ينفرد بها دون غيره من الصحابة. لأن الثابت شرعا وتاريخا أن النبي- عليه الصلاة والسلام- كان ما إن ينزل عليه القرآن إلا ويُسارع إلى تدوينه وتبليغه إلى أمته، وهذا أمر فرضه الله تعالى عليه. قال سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة: 67 ) )، و (( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: 94 ) ). فلا يصح، ولا يجوز، ولا يُعقل أن يخص النبي- عليه الصلاة والسلام- صحابيا بقراءة العرضة الأخيرة دون غيره من الصحابة. وحتى إذا فرضنا جدلا أنه عليه الصلاة والسلام- عرضها على ابن مسعود مُنفردا، فهذا لا يعني أنه خصه بها دون غيره من المسلمين، وإنما كما عرضه عليه، فإنه بلّغها أيضا إلى أمته. والدليل القطعي على صحة هذا القول أن قراءة ابن مسعود لم تكن تختلف عن قراءة كبار قراء الصحابة، وكلها تضمنها المصحف العثماني.