الصفحة 201 من 593

والشاهد على ذلك أيضا ما رواه البخاري (( حدثنا خالد بن يزيد، حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: كان يعرض على النبي- صلى الله عليه وسلم- القرآن كل عام مرة فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه وكان يعتكف كل عام عشرا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه ) ) [1] . فهذا شاهد دامغ على أن النبي-عليه الصلاة والسلام- لم يخص أحدا من صحابته بالعرضة الأخيرة، وإنما ما إن أتم عرض القرآن مرتين في السنة التي تُوفي فيها، خرج إلى أمته وأبلغها القرآن كاملا كعادته.

وثانيا إن مما يُثبت أن المصحف العثماني قد تضمن العرضة الأخيرة للقرآن، هو أن زيد ابن ثابت عندما كلفه أبو بكر الصديق - رضي الله عنهما- بجمع القرآن الكريم جمعه كله من الصدور-وهو من كبار حُفاظه- ومن نسخه الأصلية التي كان النبي-عليه الصلاة والسلام- يأمر بكتابتها عند نزول الوحي عليه من جهة. وقام بجمعه وتم له ذلك من دون معارضة أي صحابي له من جهة أخرى. وهذا يعني أنه لا ابن مسعود ولا غيره من الصحابة كان معارضا لذلك، ولو كان ما جمعه زيد ليس هو العرضة الأخيرة للقرآن لأنكر عليه الصحابة، ولا يجوز لهم السكوت عنه. وبما أن هذا لم يحدث دلّ على أن جمع زيد للمصحف كان قائما على العرضة الأخيرة للقرآن الكريم. ثم لما وحد عثمان بن عفان المصاحف نسخها من المصحف البكري الذي جمعه زيد بن ثابت. وهذا يعني أن المصحف العثماني يُمثل العرضة الأخيرة للقرآن.

وثالثا إن الزعم بأن مصحف ابن مسعود كان يُمثل العرضة الأخيرة للقرآن، ولم يكن المصحف العثماني يُمثلها، ومن ثم فهو مصحف قد دخله التحريف، فهو زعم باطل من دون شك. لأنه مخالف لما نصّ عليه القرآن الكريم بأنه كتاب مُحكم لا يأتيه الباطل أبدأ، وأنه كتاب محفوظ تولى الله تعالى حفظه [2] . وبما أن هذا هو حال القرآن فإنه بالضرورة يُمثل العرضة الأخيرة للقرآن الكريم بلا ريب, وكل رواية تخالف ما نص عليه القرآن فهي باطلة بالضرورة، لأن النص القرآني يُمثل الحق المُطلق شرعا وتاريخا.

(1) البخاري: الصحيح، ج 6 ص: 186، رقم: 4998.

(2) سبق ذكر الآيات القرآنية التي نصت على ذبك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت