ورابعا إنه واضح من تلك الروايات أن الذين اختلقوها كان هدفهم منها تأييد الروايات التي زعمت أن ابن مسعود خالف الصحابة في توحيدهم للمصاحف، وأنه كان ينكر قرآنية الفاتحة والمعوذتين من جهة. والطعن في القرآن الكريم بالتحريف واتهام الصحابة بذلك من جهة أخرى. وبناءً على ما زعمته تلك الروايات، وأن روايات العرضة الأخيرة زعمت أن مصحف ابن مسعود هو الذي تضمنها دون المصحف العثماني، فهذا يعني أن المصحف العثماني لا يُمثل القرآن كاملا، وقد دخله ما ليس منه، وإنما الذي يُمثله حقيقة هو مُصحف ابن مسعود. ولا شك أن هذا الزعم باطل جملة وتفصيلا، وقد ذكرنا الأدلة والشواهد القطعية على بطلانه. لكن الذي أردتُ الإشارة إليه هنا هو أن تلك الروايات التي ذكرناها هي شواهد دامغة على أنه وُجدت طائفة من محرفي التاريخ كانت تعمل وتُخطط وتختلق الروايات عن تعمد وسبق إضرار وترصد، لتحقيق غايات دنيئة في نفوسهم، على حساب حقائق الشرع والتاريخ. لذا يجب عدم إعطاء أية قيمة علمية لمروياتهم إذا خالفت الوحي الصحيح، والعقل الصريح، والعلم الصحيح.
وأخيرا-خامسا- تدعيما لما قررناه أذكر هنا مواقف لبعض أهل العلم تتعلق بالعرضة الأخيرة للقرآن، أذكرها كشواهد إضافية على صحة ما قررناه. أولها رواية عن عبيدة بن عمرو السلماني الكوفي (ت نحو:72 هـ) أحد ثقات أصحاب ابن مسعود [1] ، قال: (( القراءة التي عرضت على النبي- صلى الله عليه وسلم- في العام الذي قبض فيه هي القراءة التي يقرأها الناس اليوم فيه ) ) [2] .
والثاني مضمونه رواية صححها الحاكم ووافقه الذهبي (( أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، ثنا علي بن عبد العزيز البغوي بمكة، ثنا حجاج بن المنهال قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة -رضي الله عنه- قال: عُرض القرآن على رسول الله- صلى الله عليه و سلم- عرضات فيقولون: إن قراءتنا هذه العرضة الأخيرة ) ) [3] .
(1) ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 6 ص: 60.
(2) ابن أبي شيبة: فضائل القرآن، ص: 48. و مصنف ابن أبي شيبة، ج 6 ص: 307. هذه الرواية متنها صحيح، لذا لا يهم إن كان إسنادها غير صحيح ن فإن كان غير صحيح، فالرواية تتقوي بمتنها الصحيح، الذي تقويه أيضا ما ذكرناه من شواهد على أن المصحف العثماني يُمثل العرضة الصحيحة.
(3) الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، حققه مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1990، رقم الحديث: 2904، ج 2 ص: 250.