وفي المقنع وعلى الإمام أن يبعث إليهم من يسألهم ويكشف لهم الصواب إلا أن يخاف كلبهم [1] فلا يمكن ذلك في حقهم، فإن لَجُّوا قاتلهم حينئذ، لأن الله تعالى بدأ بالأمر بالإصلاح قبل القتال فقال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} الآية [2] ، وروي أن عليًا راسل أهل البصرة قبل موقعة الجمل، ولما اعتزلته الحرورية [3] بعث إليهم عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -.
وإذا تركوا القتال إما بالرجوع إلى الطاعة، أو بإلقاء السلاح، أو بالهزيمة إلى فئة، أو غير فئة، وإما لعجز، وإما لجراح، أو مرض، أو أسر، فإنه يحرم قتالهم واتباع مدبرهم، وبه قال الشافعي، وقال أبوحنيفة: إذا هزموا ولا فئة لهم كقولنا، وإن كانت لهم فئة يلجأُون إليها جاز قتل مدبرهم وأسرهم والإجهاز على جريحهم. ولنا ما روي عن علي- رضي الله - أنه قال يوم الجمل لا يذفف [4] على جريح، ولا يهتك ستر، ولا يفتح باب، ومن أغلق بابًا أو بابه فهو آمن، ولا يتبع مدبره، وروي نحو ذلك عن عمار، وعن علي- رضي الله عنه- أنه ودي قومًا من بيت المال قتلوا مدبرين.
وروى القاضي في شرحه عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم- قال:"يا ابن أم عبد ما حكم من"
(1) يقال: دفعت عنك كلب فلان، أي شرّه وأذاه، وكَلِبوا عليه أشدّ الكلب، وعدا بعضهم على بعض بالسيف. اللسان 1/ 723، 724.
(2) سورة الحجرات. الآية (9) .
(3) الحرورية: فرقة من الخوارج الذين قاتلهم علي - رضي الله عنه - وكان عندهم من التشدد في الدين ما هو معروف، وينسبون إلى موضع في الكوفة اسمه (حَرُورَاء) . اللسان 4/ 185.
(4) الذّفُّ: الإجهاز على الجريح. اللسان 9/ 110.