الصفحة 109 من 150

المسلمين في اقتتالهم، إما أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعًا أو لا، فإِن كان الأول، فالواجب في ذلك أن يمشى بينهما بما يصلح ذات البين ويثمر المكافة والموادعة. فإن لم يتحاجزا ولم يصطلحا وأقامتا على البغي صير إلى مقاتلتهما. وأما إن كان الثاني وهو أن تكون إحداهما باغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينها وبين المبغي عليها بالقسط والعدل.

فإن التحم القتال بينهما لشبهة دخلت عليهما وكلتاهما عند أنفسهما محقة، فالواجب إزالة الشبهة بالحجة النيرة، والبراهين القاطعة على مراشد الحق. فإن ركبتا متن اللجاح ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا به من اتباع الحق بعد وضوحه لهما فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين.

قال: وفي هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية لمعلوم بغيها على الإمام أو على أحد من المسلمين. وعلى فساد قول من منع قتال المؤمنين، واحتج بقوله عليه السلام:"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" [1] . ولو كان قتال المؤمن الباغي كفرًا لكان الله تعالى قد أمر بالكفر، تعالى الله عن ذلك! وقد قاتل الصديق رضي الله عنه: مِنْ تمسك بالإسلام وامتنع من الزكاة، وأمر ألا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولم تحل أموالهم، بخلاف الواجب في الكفار" [2] ."

وقال أبو جعفر الطبري- رحمه الله-:"يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما،"

(1) أخرجه البخاري: الفتح 1/ 138، ح 48 في الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، ومسلم 1/ 81، ح 116 (64) ؛ في الإيمان، باب: بيان قول النبي - صلّى الله عليه وسلّم-: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) .

(2) الجامع لأحكام القرآن 16/ 317.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت