المطلب السابع: سنة الله أن الظلم يقتضى العقوبة
وإذا كان هذا شأن العدل في بقاء الأمم قَوِيَّةً متماسكة، تسير على منهج الله، وتؤدي الأَمانات إلى عباد الله، فإن الظلم ظلمات في الدنيا والآخرة، ويعجل بالعقوبة، وينذر بالزوال والبوار.
وقد ثبت بالاستقراء أَن الظلم في حياة الأمم يقتضي عقابها في الدنيا بالضعف والاختلال، الذي قد يفضي إلى الزوال، أو فقد الاستقلال. وكون هذا العقاب على الأمة بأسرها، لا على مقترفي الظلم وحدهم منها، قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [1] . وذلك أن الفتن في الأمم والظلم الذي ينتشر فيها، ولا يقوم من أفرادها وجماعاتها من يقاومه، يعم فساده، بخلاف ذنوب الأفراد غير العامة المنتشرة، فالأمة في تكافلها كأعضاء الجسد الواحد فكما أن الجسد يتداعى، ويتألم كله لما يصيب بعضه، كذلك الأمم. والأصل في الفتنة ما يقع بين الأمم من التنازع في مصالحها العامة، من السيادة والملك، أو الدين والشريعة. ومثله كله ما له تأثير في تفرقها وضعفها، كفشو الفسق والإِسراف في الترف والنعيم المفسد للأَخلاق، وهو لا يصل إلى هذا الحد إلا بترك إِنكار المنكر الذي تأثم به الأمة كلها، وكل مِنْ هذا وذاك ثابت في وقائع التاريخ [2] . ومن الشواهد عليه: ما ذكره الله تعالى في سورة الأنفال، حين قال: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54) } [3] .
والأمة التي يختفي العدل في حياتها إنما تحكم على نفسها بالهلاك والزوال، لكثرة المظالم والجور. روى البخاري، ومسلم- رحمهما الله تعالى- عن أبى موسى الأشعري - رضي الله عنه - أَن النبي -
(1) سورة الأنفال، الآية (25) .
(2) انظر: تفسير المنار 10/ 135.
(3) سورة الأنفال، الآية (54) .