وجوب طاعته فيما يأمر به، ولو كان أمره غير مقترن بقرائن تبليغ الوحي، لئلاّ يتوهّم السامع أن طاعة الرسول المأمور بها ترجع إلى طاعة الله فيما يبلّغه عن الله دون ما يأمر به في غير التشريع، فإنّ امتثال أمره كلّه خير، ألا ترى أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا أبي بن كعب -رضي الله عنه - وهو يصلي، فلم يجبه، فلمّا فرغ من صلاته جاءه، فقال له:"ما منَعك أن تجيبني" [1] فقال:"كنت أصلّي"فقال:"ألم يقل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [2] ؛ ولذلك كانوا إذا لم يعلموا مراد الرسول من أمره ربما سألوه أهو: أمر تشريع أم هو الرأي والنظر؟ كما قال له الحباب بن المنذر يوم بدر حين نزل جيش المسلمين: أهذا منزل أنزلكه الله، ليس لنا أَن نجتازه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل الرأي والحرب والمكيدة" [3] .
ولما كلّم بريرة في أن تراجع زوجها مُغِيثًَا بعد أن عتقت، قالت له: أتأمرُ يا رسول الله أم تشفع، قال:"بل أشفع"، قالت: لا أبقى معه [4] .
ولهذا لم يُعَدْ فعل"فُردّوه"في قوله"الرسول"لأن ذلك في التحاكم بينهم، والتحاكم لا يكون إلا للأخذ بحكم الله في شرعه، ولذلك لا نجد تكرارًا لفعل الطاعة في نظائر هذه الآية التي لم يعطف فيها أولو الأمر
(1) هذا الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أخرجه أحمد في المسند 9/ 181، ح 9316. والبخاري في التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب 6/ 20.والترمذي 5/ 155. ح 2875.
(2) سورة الأنفال، الآية (24) .
(3) انظر: سيرة ابن هشام 2/ 303. الإصابة 1/ 302. هذه الرواية ضعفها الدكتور أكرم العمري في كتابه السيرة النبوية الصحيحة 2/ 360. من جهة الإرسال لكنه قال: إن مبدأ الشورى ثابت بنصوص القرآن، وأحداث السيرة.
(4) قصة شرائها وعتقها ذكرها البخاري في صحيحه، الفتح 5/ 87، ح 2536. وانظر ترجمتها في الإصابة 4/ 252. أسد الغابة 6/ 39.