هذا وقد أجمعت الصحابة - رضي الله عنهم - على قتال البغاة، فإن أبا بكر- رضي الله عنه - قاتل مانعي الزكاة، وعلي قاتل أهل الجمل، وصفين، وأهل النهروان [1] .
ولما كان الإنسان بشرًا فهو معرض للفتنة والجحود والأَثرة والخطأ، وارتكاب الذنوب والمعاصي، مهما بدت عليهم الديانة والاستقامة، ومهما تقلد من مناصب في حياة الأمة.
لذلك كانت هذه المرونة في الإسلام، حيث يستوعب مشكلات المجتمع، ويعالجها بواقعية، ليبقى المجتمع الإسلامي معافى سليمًا بعيدًا عن الفتن والبلاء والفوضى.
ومن هنا كانت التوجيهات النبوية تحمل في طياتها أروع الأمثلة للخروج من الأزمات بين الراعي والرعية. عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شِبرًا مات مِيتة جاهلية" [2] . وعنه - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال:"من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإِنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات مِيتة جاهلية" [3] . ففي الحديث أمر بالصبر على المكروه، وعدم الخروج عن الطاعة؛ ولو قدر شبر، كنى به عن الخروج على السلطان؛ ولو بأدنى نوع من الخروج.
(1) انظر: المغنى لابن قدامة 8/ 104. المقنع للمقدسي 4/ 146، 147.
(2) أخرجه البخاري: الفتح 13/ 5، ح 7053، في الفتنة، باب سترون بعدي أمور تنكرونها ومسلم 3/ 1478، الباب 56. في الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، وفي كل حال، وتخريم الخروج على الطاعة، ومفارقة الجماعة.
(3) أخرجه البخاري: الفتح 13/ 5، ح 7054 في الفتن، كما ذكرنا آنفًا. ومسلم 3/ 1477 ح 1849، في الإمارة في الباب المذكور قبله.