وعن عبادة بن الصامت- رضي الله عنه - قال:"دعانا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايَعَنا على السمع والطاعة في منشَطِنا ومَكْرَهنا وعُسرِنا ويُسرنا وأثْرة علينا وأن لا ننازعَ الأمرَ أهله، إلاّ أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه بُرهان" [1] .
قال الحافظ بن حجر-رحمه الله- نقلًا عن ابن بطال-رحمه الله-:"أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا يجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليه، لحديث البخاري عن عبادة:"إلا أن تروا كفرًا بَواحًا عندكم من الله فيه برهان" [2] ."
وقال في قوله: (عندكم من الله فيه برهان) أي نص آية أو خبر صحيح، لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم، ما دام فعلهم يحتمل التأويل، قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم، إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام؛ فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم، وقولوا بالحق حيثما كنتم. انتهى [3] .
وقال غيره:"المراد بالإثم هنا المعصية والكفر، فلا يعترض على السلطان إلا إذا وقع في الفكر الظاهر، والذي يظهر حمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة في الولاية فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل ورواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية"
(1) أخرجه البخاري: الفتح 13/ 5، ح 7055 في الفتن في الباب المذكور.
(2) فتح الباري: 13/ 7.
(3) شرح النووي على صحيح مسلم 12/ 468، 469.