فهرس الكتاب
النبوة وادعاء النبوة:
يقول مالك إن"النبي الموحى إليه يتميز عن منافسه المحترف ، بمقاومته العنيفة ضد الألوهية القومية (1) التي صارت لب العقيدة الشعبية، فجميع الاتجاهات الخلقية للنبي الموحى إليه قائمة على أساس الفكرة المتسلطة الملازمة: فكرة إله واحد عام، يريد النبي أن يثبت فرائضه الخاصة في شعائر قومه" (2) أمّا مدعي النبوة فيقف"موقف أحد الانتهازيين الذين يتبعون التيار الشعبي، فهو بهذا لا أثر له أخلاقيًا، وليس ملهمًا، بل إن موقفه تجاه عقائد عصره، هو موقف المبالغة في التساهل لدرجة التملق والملاينة، فمتى ميزنا بين هاتين الوظيفتين، فبدهي أن نمّيز بين العاملين الذين يؤديانهما، فمهمة الأول في سماتها الخالصة أن لها مبدأ وثيق الصلة بالأفكار العامة للحركة النبوية، ولها زمن يتناسب مع عرض هذا المبدأ أو تبليغه" (3) في حين أن مدعي النبوة لا مبدأ له، إن ابن نبي يريد أن يقول: أن النبي الحقيقي لا يداهن قومه، فلا يعترف بما يعبدون ولا يحاول أن يجعل الإله خاص بقومه حتى يتبعوه، بل يطلب منهم الإيمان بإله لكل العالمين، ولكن مدعي النبوة يداهن قومه والناس ويعترف بعقائد قومه فيداهنهم ويتملقهم من أجل أن يكسب مساعدتهم له، وقد ضرب على ذلك مثال من أنبياء بني إسرائيل وهوإرميا واستخلص من ذلك أن إرميا يرسم الخطوط الداخلية لذاته، ويستنبط من ذلك عدّة عناصر متميزة:
1ـ الاحتراق العميق لمشاعره المضطربة ، جراء الاستهزاء الذي يلقاه.
2ـ إرادته أن يتخلص من دعوته، بامتناع ناتج عن تأمل وإعمال فكر، وهذاعنصر ثابت يبدو أنه يطبع هذه الحالة النفسية كلها ، ويطوق إرادة ذات النبي، وهو الذي يشير إليه ما يجده في قلبه ( كالنار المضطرمة ) .
(1) المراد بالألوهية القومية: هو اعتبار شعب من الشعوب أن الله هو لهم فقط ، وهو خاص بهم دون غيرهم وذلك مثل إله بني إسرائيل .
(2) الظاهرة القرآنية: ص100.
(3) المصدر السابق:ص100 ،ص101 .