الصفحة 161 من 247

ولكن إذا أردنا أن ندرس الآيتين اللتين تحدثتا عن الوأد أنه نتيجة للظروف الاقتصادية، التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي فإن هذا التفسير يؤدي بنا إلى تناقض صريح، إذ لا يمكن أن يحمل إثبات واقع اجتماعي معين، ونفي هذا الواقع على أسباب واحدة.

فلو قيل أن الوأد نشأ في البيئة الجاهلية بتأثير أسباب اقتصادية خاصة بذلك المجتمع فإن من العسير أن ينسب نفي هذا الوأد إلى تأثير العوامل الاقتصادية، ذاتها حيث أنها لم تتغير، وإذا كانت الآيتان إبطالًا للوأد ضمن واقع اقتصادي واحد، فهذا يجعلنا نقع في تناقض واضح إذا ما فسرنا عادة الوأد تفسيرًا اقتصاديًا، وعلى ذلك فإن القيمة الخلقية التي عبّر عنها هذا التشريع بتحريمها لا يمكن أن تكون ثمرة من ثمرات العامل الاقتصادي الناتج عن واقع المجتمع الجاهلي، الذي تحول إلى مجتمع إسلامي فهبّ فجأة لينتج حضارة رائعة منذ بدأ نشاطه يستقطب حول مجموع القيم الفكرية الخلقية لا حول المادة الجامدة، فالأفكار هي المؤثرة في عملية تغيير الواقع الاجتماعي لا المادة أو الواقع الاقتصادي، وهذا واضح من تغيّر مفاهيم الناس حول عادة الوأد مما ساعد على إبطالها مع وجود نفس الواقع الاقتصادي المادي. (1)

... ويضرب مثالًا آخر على سقوط هذا المفهوم من الواقع المعاصر ليأخذ منه دليلًا على أن التغيير في الظرف الاقتصادي لا يؤثر على التغيير في الواقع الاجتماعي، وذلك من خلال الواقع العربي فالبترول كقوة اقتصادية موجود، ولكنه لم يرفع المستوى الاجتماعي؛ أي لم يؤدي إلى وجود نهضة حضارية في هذه البلاد، ولذلك فالفكرة الماركسية مرفوضة ولا يمكن الأخذ بها. (2)

ثانيا: مفهوم الحاجة:

(1) انظر: ميلاد مجتمع: ص45 ـ ص 48 .

(2) انظر: المصدر السابق: ص30 ،ص 31 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت