فهرس الكتاب
وهذا يدل علي ضعف وقصور في الفكر الماركسي، لأنه كلما نضج الفكر يكون قد تعلق بعالم الأفكار، وكلما انحط الفكر يكون قد تعلق بعالم الأشياء، وهذا واضح في الماركسية، والصواب أن الأفكار هي التي ترسم النتائج الاجتماعية، ففي المجتمع الجاهلي مثلًا كانت عادة الرق والعبودية، وجاء الإسلام فتم إلغاؤها في مجال الأفكار، قبل مجال الأشياء، فهذا يدل على أن الذي يغير الأنظمة الاجتماعية والواقع هو الأفكار التي يحملها أصحاب المبادئ وليس وسائل الإنتاج كما تدعي الماركسية (1) فالمشكلة إذًا متعلقة بالإنسان، وخاصة المجال الفكري فيه، وأمّا المجال الاجتماعي للآلات منوط بسلوك الإنسان نحوها، (2) وإن كل سلوك للإنسان دائمًا يكون مرتبطًا بمفاهيمه عن الشيء المتعلق به سلوكه، وعليه فإن أي تغيير اجتماعي لابد أن يسبقه تغيير فكري،"فعندما نريد أن نضع أصل النمو الاقتصادي للحضارة الراهنة موضعه، لا يتعين أن نضع هذا الاختراع أو ذاك ـ من مثل الآلة البخارية والبوصلة وآلة الطباعة ـ باعتباره مصدرًا لذلك الأصل، ولكن الأصل هو جميع الظروف التاريخية التي تخلقت بها بذور الأفكار" (3)
وبذلك يقرر أن الأفكار هي التي تصنع المنتجات لا العكس؛ لأنها هي التي تعمل على التحكم في المادة وتكيفها كيفما تريد (4) ثمّ يضرب ابن نبي أمثلة من الواقع أيضاّ تبين تهافت الفكر المادي، وذلك في مفهوم وسائل الإنتاج، وكونه يؤثر على رقي الأفكار أو انحطاطها، وإن أهم وسيلة إنتاج هي الأرض، فهي الوسيلة المأمولة لضمان انطلاق مجتمع من مرحلة أولية إلى مرحلة ثانوية، وأكثر الأراضي خصوبة في العالم هي أراضي العراق وإندونيسيا، ومع ذلك لم تتمكن هذه البلدان من الانطلاق، مما يدل على وجود قصور حقيقي
عالم الأفكار، لا في عالم الأشياء، يظهر أثره في المجالين السياسي والاقتصادي. (5)
(5) انظر: مشكلة الأفكار: ص16 .