الصفحة 200 من 247

ويستخلص من الأمر الأول، أن المسلم لا يحتفظ باستقلاله الأخلاقي، ابتداءً من اللحظة التي يغادر فيها المسجد، فهو يسقط تحت سطوة قانون العدد، وبدلًا من أن يؤثر على الوسط طبقًا لمثله الأعلى ومبادئه، نجد أن الوسط هو الذي يؤثر عليه، فيجرده من مثله إلى ويهدم مبادئه.

ويستخلص من الأمر الثاني، أن المسلم يعثر على استقلاله في جو المسجد، إذ يكون اجتماع أشخاص، يوجد تأثير الوعظ لديهم مثل الظروف التي ظهر فيها تأثير العقيدة الإسلامية على عهد المسلمين الأولين، وقد كانت العقيدة لدى صحابة النبي صلى الله عليه وسلمفي تلك الظروف لا منظّمة لنشاطه فحسب، وإنما موجهة لأداء نشاط مشترك، نعرف تاريخه.

فإذا ما شعر المسلم المعاصر في جو المسجد أن العقيدة الإسلامية تسيطر على غرائزه، ثم يضل عن هذا الشعور بمجرد خروجه إلى الشارع، فمعنى ذلك أنه لا يجد في الحياة الإطار الضروري الذي ينقذ استقلاله الأخلاقي (1) "فيحس بطريق غامضة أن بينه وبين هذا العالم تخلفًا وانقطاعًا معينين". (2)

جـ ـ ضعف الأساس المفاهيمي:

يرى ابن نبي أن هناك غياب للمفاهيم والأفكار في حس المسلمين، وخاصة العلاقة التي تنظم بين عالم الأفكار وعالم الأشياء، حيث تبقى الفكرة معزولة ومحايدة، وبالتالي فقدانها لفعّاليتها، فإن الفكر في المجتمع الإسلامي المعاصر يتسم بانعدام الفعالية،كما يتسم الفقر حتى في الأفكار نفسها، في الوقت الذي تمثل فيها الأفكار الثروة الوحيدة التي يعّول عليها، فالعالم الإسلامي أصبح مجردًا من المفاهيم الصحيحة في وقت تحتاج فيه المفاهيم كسلاح في مواجهة الغرب، وأصبحت الأشياء التي نحتاجها نشتريها من مجتمعات قوية مفاهيميًا. (3)

د ـ الفوضى والتمزق الفكري:

(3) انظر:فكرة كمنويلث إسلامي: ص 51 ـ ص 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت