الصفحة 87 من 247

ويقوم مالك بتصوير الطرق الخفية للاستعمار، ومنها استخدام الاستعمار القوارض لشبكة العلاقات الاجتماعية، وذلك من خلال استخدام عالم الأشخاص، بحيث يسيِّر سلوكهم من خلال عالم الأفكار فيقول:"يستخدم الاستعمار نوعًا من القوارض المجازة، الذين ربُّوا بعناية في بؤره الثقافية لمهاجمة شبكة العلاقات الثقافية والأخلاقية في بلد معين، وهم أنفسهم الذين يدّعون أنهم يمثلون ثقافته" (1) ويضرب أمثلة من الواقع على ذلك فيقول:"قد يقوم رجل بمنح مثقف ـ ذي أخلاق ـ منحة إقامة شهر في أي مكان ـ في فندق معين ـ وعندما يريد أن يخرج هذا المثقف فيوقع على قائمة حسابه، فيلاحظ أن جانبًا من النفقات قد حمل على بند"بار"فهذه الكلمة هي حبة الرمل الصغيرة المخصصة لتحطيم علاقة ما". (2)

"وإذا أراد أن يعطّل بعض المشروعات في إدارة معينة، هنالك يكفيه أن يخلق (3) في أجهزتها فراغًا مؤقتًا، موظف صغير يتغيب في اليوم نفسه، وهنا يتوقف التنفيذ" (4) إنه يري أن كل العوامل غير الفعّالة في المجتمع، أغلبها من الاستعمار مثل الروتين، والتغيب أوعدم تقبل النقد، كلها تعمل على تدمير شبكة العلاقات الاجتماعية، مما يؤدي في النهاية إلى سقوط المجتمع، تحت رحمة الاستعمار في أغلب تصرفاته وأفكاره.

رابعًا: الاستعمار والأفكار:

يرى مالك أن الاستعمار يركز على عالم الأفكار، لأن هذا العالم هو الذي يعتمد عليه وجود الكيان الحضاري كله، وهو يقسّم الأفكار إلى قسمين:

1ـ التجسيد:

(1) المصدر السابق: ص78 .

(2) ميلاد مجتمع: ص80 .

(3) الصواب أن يقال: يوجد.

(4) ميلاد مجتمع: ص81 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت