الصفحة 127 من 732

كيف روى الحديث ؟ بعد نهى النبي عن كتابته يحسب الذين لا خبرة لهم

بالعلم ، ولا علم عندهم بالخبرة ، أن أحاديث الرسول التى يقرءونها

في الكتب ، أو يسمعونها ممن يتحدثون بها ، قد جاءت صحيحة المبنى

محكمة التأليف ، وأن ألفاظها قد وصلت إلى الرواة مصونة كما نطبق

النبي بها ، بلا تحريف فيها ولا تبديل . وكذلك يحسبون أن الصحابة

ومن جاء من بعدهم ، ممن حملوا عنهم أحاديث النبي(صلى الله عليه

وسلم)إلى زمن التدوين ، قد نقلوا هذه الاحاديث بنصها كما سمعوها ،

وأدوها على وجهها كما تلقوها ، فلم ينلها تغيير ولا اعتراها تبديل

، ومما وقر في أذهان الناس أن هؤلاء الرواة قد كانوا جميعا صنفا

خاصا بين بنى آدم في جودة الحفظ ، وكمال الضبط وقوة الذاكرة ، وأن

أذهانهم قد فطرت على صورة خاصة غير ما فطرت عليه أذهان البشر جميعا

، فكل ما يسمعونه ينقش على ألواحها ، فلا تفلت منه كلمة ، ولا يشذ

عنه حرف . ولقد كان ولا جرم لهذا الفهم أثر بالغ في أفكار شيوخ

الدين - إلا من عصم ربك - فاعتقدوا أن هذه الاحاديث في منزلة آيات

الكتاب العزيز ، من وجوب التسليم بها ، وفرض الاذعان لاحكامها ،

بحيث يأثم أو يرتد أو يفسق من يخالفها ، ويستتاب من أنكرها أو شك

فيها . من أجل ذلك رأينا أن نشبع القول في هذا الامر ، ليعلم الناس

وجه الحق فيه ، ويدركوا أن الاحاديث التى جاءتهم عن رسول الله

صلوات الله عليه قد رويت عنه بمعناها ، لما لم يستطيعوا أن يأتوا

بها على حقيقة مبناها ، لنسيان أصلها أو لمضى الزمن عليها في

أذهانهم عندما رووها ، وأن كل راو قد روى ما بقى في ذهنه من هذا

المعنى بعد أن عجزت ذاكرته عن ضبط ألفاظه . ولم يكونوا قد عنوا في

أول الامر بتدوينه ، وعلى أن الامر قد جرى على رواية الحديث

بالمعنى ، حتى لم يختلف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت