فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 581

أنا أفضّل الوصف الثاني لأن موقف الناقد، كما يتوسع به لوكاش، موقف محفوف بالمخاطر لأنه يعدّ، أو تعد، لثورة جمالية عظيمة تفضي بالنتيجة ولا بد -ويا للسخرية الكبيرة- إلى استجرار النقد إلى موقع هامشي. ولكن هذه الفكرة نفسها سوف تتحول لاحقًا من قبل لوكاش إلى وصف لتقويض التجسيد بفعل الوعي الطبقي الذي سيجعل بدوره من الطبقة شيئًا هامشيًا (33) . وأما الشيء الذي أرغب في التوكيد عليه هنا فهو أن النقاد لا يخلقون فقط تلك القيم التي تجري بناء عليها عملية محاكمة الفن وفهمه، بل ويجسدون في الكتابة أيضًا تلك العمليات والظروف الفعلية في الحاضر الذي تتأتى الدلالة من خلاله للفن والكتابة. وهذا يعني ما دعاه ر. ب. بلاكمور، اقتداء بهوبكينز، باستجلاب الأدب للقيام بأدائه. غير أن القول الأوضح هو أن الناقد مسؤول إلى حد ما عن تفصيح تلك الأصوات المكبوتة أو المزحولة أو الخرساء من جراء نصية النصوص. فالنصوص منظومة من القوى المتشحة بوشاح المؤسسات من لدن الثقافة المتسلطة وعلى حساب تكلفة بشرية ما لمختلف عناصر مكوناتها (34) ، وذلك لأن النصوص ليست في خاتمة المطاف ذلك الكون الخيالي المؤلف من روائع خيالية على قدم المساواة كلها. فحين نظر كيتس إلى الجرة اليونانية شاهد أشكالًا بشرية جليلة تزين سطحها الخارجي، وكسا أيضًا بكساء الأمر الواقع (في اللغة ولربما لا في أي مكان آخر) تلك البلدة الصغيرة التي"تفرغت من هؤلاء الناس، وقت خشوع هذا الفجر". إن موقف الناقد موقف حساس بعض الشيء بطريقة مماثلة إذ إن عليه، فضلًا عن ذلك وفي غالب الأحيان، أن يكون موقفًا خلاقًا بصراحة، في المعنى التقليدي البياني الذي تعنيه كلمة "inventio" بالشكل الذي استخدمها فيه فيكو بمنتهى الغنى إذ تعني العثور على الأشياء وتعريتها تعرية لولاها لبقيت خبيئة تحت ستار الطاعة أو اللامبالاة أو الروتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت