فهرس الكتاب
وما بدأ سويفت يطرح الإطار الأرسخ الذي كان يتمنى أن يعتبره فيه المستقبل، وعلى نحو متعمد أكثر من ذي قبل، إلا في إيرلندا حوالي الثلاثينات (1730) . وبما أن سويفت كان رجعيًا شموسًا وبالفطرة دقيق الحسبة في النقود، وكان ذلك الرجل الذي وسمه تين Taine برجل أعمال صنعة الكتابة الإنكليزية، والذي كان موقفه من الحياة ذلك الموقف الذي وصفه به نيغل دانيس إذ قال بأنه موقف معلم مدرسة، فقد كان من المناسب له أن يكون على ثقة من أن الأشياء الأخيرة التي ستقال عنه يجب أن تكون بإمرته هو، ولذلك فإن الذكرى الأخيرة التي خلّفها وراءه ستكون بالضرورة أول ما سيتنبّه المستقبل إليها، وعندئذ نظم القصيدة التي عنوانها"أشعار عن ممات الدكتور سويفت" (1731) ، والتي ابتنى فيها ذلك الاستمرار الذي تمنى أن يخلده فيها إلى أبد الآبدين. ففي تلك القصيدة العصماء يختار بمنتهى الشجاعة، لا بل وبمنتهى العجرفة، أن يرى نفسه في المظهر السلبي المطلق لمماته، أي خسارة للدنيا ومكسبًا للتاريخ في آن واحد معًا- ولكنه في كلتا الحالتين يرى نفسه موضوعًا نموذجيًا. فتخيله لمماته، في المحصلة، جاء به من خلال القصيدة وأعطاه شكل ردود الأفعال المتناثرة على خسارة جرى تحويلها إلى حدث. وهكذا تمكن سويفت من أن يصبح جزءًا من التاريخ وسيدًا له على الرغم من البلايا المعزوة للغة من قبله.