فهرس الكتاب
إن النقطة الأخيرة بحاجة لتوكيد خاص. لقد كان سويفت يعلم علم اليقين أنه، بمقدار ما كان الأمر متعلقًا بالأجيال التالية، إنسان ملتزم باللغة (أي متورط بها وأسير لها) ، مهما كان الظن به خلاف ذلك. فبعد مماته كانت الأجيال اللاحقة سوف تتلقفه بالصورة التي كانوا سيقرأونه بها: إذ إنه لن يكون البتة منظورًا أو مسموعًا. وإن ما كان سوف يبقى منه على قيد الحياة في المستقبل لن يعدو الكلام الناتئ، شريطة أن يكون بمقدوره ترتيب ذلك الأمر بطريقة ما. ومع ذلك فقد كان يعمل بدون شك ضد نفسه. فخلال معظم حياته كان يعتمد بمنتهى الثقة على شخصيته وعلى الشخصية الكلية الوجود- أكثر من اعتماده على الصنعة الكتابية الموثوقة لكتابته. وبغض النظر عما فعله، فإن حقيقة وجوده بشكل طارئ طغت على بعزقة جهوده وعلى تباين أقنعته لصالح الكنيسة والدولة وإيرلندا والتعلم التقليدي والمبادئ الأخلاقية. ولئن كان الشعور حيال تلك المؤسسات، كما أشرت من قبل، بأنها في خطر محدق يهددها بالزوال، فقد اضطلع سويفت بعبء توكيد دوام وجودها. وإن قالبه الفكري جعله يتعهد هذه التوكيدات في شكل تقليدات مكتوبة لعدوّه، تقليدات سارت في الاتجاه المناقض مرات عديدة وأوغلت في الخيال والوهم والتشوش المزعوم. لقد كانت اللغة أداته، كما كانت أداة عدوه، ولكنه كان أكثر قدرة من غيره على استغلال المظاهر السلبية لأداته: رشاقتها ووقتيتها، وقدرتها الكامنة على الغش المثالي الذاتي المطلق. فكولريدج، كواحد من ضمن عديدين، كان يرى أن هذه المقدرة لدى سويفت بمثابة موهبته الفذة. وإن الشيء الذي كان يرى فيه العدو، العدو الذي كان يهاجمه سويفت، نتيجة محتومة لفكر متصدع، كان بالنسبة إليه المهمة المقصودة لتحليله القاهر الذاتي المنهجي والمنطقي والبارع فنيًا. فهكذا كان أسلوب سويفت.