فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 581

إن التهديد الذي كان يتهدد سمعته بعد مماته أمر واضح. فاليوم، مثلًا، لا نزال نقترب منه على أساس شيء من التماسك المنسوب لعمله، والتماسك الذي نعتبره متصلًا به بصلة القربى كثمرة لجهده، ولكن هذه الصلة تحديدًا هي ما تتنكر لها كتابته تنكرًا كبيرًا.

فكراسة"اقتراح متواضع"تعلن عن نفسها على أنها فكرة أي إنسان إلا سويفت، ومع ذلك فإنها بقلمه دون أدنى شك. وهكذا فإن الحضور، كما يقول جويس في بوليسيس، أسمى شكل من أشكال الغياب. فهذا التبصّر صحيح عن اللغة قبل أي شيء آخر، وهو التبصر الموجود بشكلها المكتوب كبديل عن وجود كاتبه. إن أي بديل عن الشيء الحقيقي محكوم بسرعة الزوال، وبقانون الاستبدال اللانهائي. فلقد كان الخوف من هذا المصير هو الشيء الذي أخذه سويفت بحياته في قصيدة"أشعار...."بتركه نفسه تموت على البطاقات وفي حفلة استقبال والبول، وفي حوانيت باعة الكتب. إن حدث مماته،"النبأ الذي سرى في نصف البلدة"، خسارة مستحبة -وفقًا للقانون الساخر الذي جاء به لاروشفوكو- كخسارة"لم يعد من السهل تعويضها". ومع ذلك فبتبديد كل طاقة النبأ، الأمر الذي جاء متوازيًا مع سرعة تبدل المشاهد في القصيدة المثقلة بتضييع الزمن، فإن ممات سويفت يتحول شكله من تشكيلة من الإشاعات التي تتناقلها الألسن إلى ذلك الحدث الذي لا يستطيع إطلاق حكم صائب عليه إلا صوت مجهول حيادي.

إن القصيدة محكومة بسلسلة من المفارقات المحبوكة التي ليست مجرد مفارقات بلاغية وحسب: إذ من هنا، كما أعتقد، تحتل القصيدة مكانتها الخاصة كمنطلق لأية قراءة لسويفت ولأي تحقيق لنصَّه. فهذه المفارقات ما هي كلها إلا نتائج لتلك البنية التي يتعذر الدفاع عنها والتي توحد الوجود البشري. وهذا هو التعارض فيما بين مطلقات الحياة (الولادة، الموت، الفردانية، الجماعة، أي الطبيعة بوجيز العبارة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت