فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 581

وما أورويل إلا على صواب مطلق حين يقول بأن سويفت يهاجم، في"أسفار غوليفر"، ذلك الجانب من الديكتاتورية الذي يجعل الناس"أقل وعيًا"على العموم. وهنا تحدوني الرغبة في أن أشتط قليلًا وأضع الأمر في مصطلحات إيجابية. فهدف سويفت يتمثل في أن يجعل الناس أكثر وعيًا فيما يتعلق بما يدور حولهم. إذ كما قال أوسكار وايلد"ما من طبقة تعي أبدًا معاناتها الخاصة بشكل فعلي، وهي بحاجة لمن يحدثها عنها من الناس الآخرين، وغالبًا ما تصدقه تمامًا فالمحرضون السياسيون هم تلك الزمرة من الناس المتطفلين ممن يدسون أنوفهم ويهبطون إلى مستوى طبقة ذات ضنوع مطلق في المجتمع لكي يبذروا بذور السخط بين أفرادها. وهذا هو السبب الذي يجعل من وجود المحرضين أمراَ ضروريًا جدًا (2) ، فالأسلوب التحريضي الذي يدس أنفه به سويفت ويتطفل ما هو دائمًا إلا لكي ينسف أو يستنبط مضامين كتاب أو موقف أو وضع ما، من تلك التي لولا ذلك لتقبلها الناس بمنتهى الغباء. ولذلك فإنه بهذا الأسلوب يستحث الوعي والإدراك وينشّط التبيين. ولكن الشيء الذي جعل قراءه اللاحقين (ولربما حتى قراءة المعاصرين) يتذمرون من كتابته هو أنها كانت تبدو في غاية التطفل على الأمر الذي ترد عليه. إن تصاوير سويفت للشخصيات كانت تبدو إما أقرب مما ينبغي للصور الكاريكاتورية عما تصوروا وإما صارمة أكثر مما ينبغي حيال التسامح مع ما تقترحه كبديل: فصورته عن ذلك الإنسان الأخرق في"حكاية حوض"مثال عن القول الأول، في حين أن صورته عن الياهوز والهوينهنهنمز [1] تؤدي دور الأمثلة عن القول الثاني. وهكذا فإن صرامة سويفت كانت عندئذ بحاجة للتليين من خلال التعريج على الروح العامة في حزب المحافظين، الذي كان ينتمي إليه، أو من خلال الهذر أو الجنون الإنساني الذي لم يكن ليتيح له أي خيار آخر."

(1) * المتوحشون والبهائم في"أسفار غوليفر"- المترجم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت