فهرس الكتاب
وأورد هنا الإتيان على ذكر نموذجين إضافيين فقط من نماذج التفكير الحديث حول المفكرين، وكلاهما يسلطان ضوءًا مفيدًا على سويفت. إن النموذج الأول من هذين النموذجين يأتينا من أنطونيو غرامشي، الذي كان أول ماركسي حديث بين الماركسيين -وأكثرهم ذكاء على ما أتصور- الذين جعلوا المفكر يحتل مركز الصدارة في تحليلاتهم السياسية/ السوسيولوجية. فغرامشي يقول أن المفكرين ينقسمون عادة إلى نوعين اثنين: المفكرين العضويين أي أولئك الناس الذين يبدو عليهم أنهم على ارتباط مع طبقة اجتماعية صاعدة والذين يمهدون السبيل لانتصار تلك الطبقة على المجتمع المدني بتحضيره إيديولوجيًا، والمفكرين التقليديين أي أولئك الناس الذين يبدو أنهم على غير ارتباط بالتغيير الاجتماعي والذين يحتلون مواقع في المجتمع مخصصة للحفاظ على السيرورات التقليدية التي يصار من خلالها استيلاء الأفكار -كالمعلمين والكتاب والفنانين والقساوسة وأمثالهم. إن فرضية غرامشي هي أن كل المفكرين هم بالفعل مفكرون عضويون إلى حد ما، إذ حتى حين يبدو عليهم بأنهم على غير ارتباط إطلاقًا بقضية سياسية فإنهم يلعبون دورًا اجتماعيًا، كمعلمي المدارس مثلًا، إلى ذلك الحد الذي يجعلهم يضفون السمة الشرعية بشكل لا شعوري على الوضع السائد"status quo"الذي يخدمونه. فغرامشي طيلة حياته قضى ردحًا من الزمن في دراسة كروس الذي وصفه في إحدى رسائله من السجن بأنه صنو واحد من البابوات العلمانيين نظرًا للسطوة الفلسفية التي مارسها على المجتمع الإيطالي الليبرالي، والتي أدت مباشرة لولادة الفاشية كما كان يعتقد غرامشي.