فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 581

وتخطرني هنا ملاحظة عن ويتينغ شتاين جاءت على لسان إرخ هيللر ألا وهي: أن مثل هذا الوعي الذاتي، كالوعي الموجود لدى ويتينغ شتاين، يصل إلى"ذلك الحد الذي يتعذر فيه الفصل بين أي عمل من أعمال الإبداع وبين نقده لأداته، فضلًا عن أي عمل يطيل أمد التأمل العميق بنفسه يبدو مماثلًا للشك الضمني الذي يساوره بإمكانية وجوده هو" (13) وما هذا بكل تأكيد إلى النتيجة الساخرة لِ"حكاية حوض"التي تنقلب، أثناء هجومها على المتعصبين من كل الأصناف، لتدين الكاتب نفسه بجرم الكتابة، أو إلا ما يبدو قولة سلسلة من الصورة المثيرة للأشجان بمنتهى الروعة، ومفادها: أوليست الكتابة كلها بريشة إنسان كسويفت عرضة بدورها أيضًا للنقد والتهكم والرد عليها، شأنها بذلك شأن الأشياء التي يهاجمها؟ وإن ما يخطر على بالي هنا هو الصور التي يوردها سويفت في"حكاية حوض"عن الظروف المضحكة والمتقلقلة التي تطرح نفسها أمام المرء حين يرغب في أن يتدخل تدخلًا فعليًا في مجريات الواقع- كمنبر الوعظ أو المصطبة المتنقلة أو الدرج- وكيف أن هذه الأشياء تخضع، كأي كتيب أو حكاية أو استطراد، لإمرة سلطة دنيوية من أنواع مختلفة وأنواع أعتى أيضًا تتعذر حيازتها على أي كاتب أو مفكر لا يمتلك رأسمالًا حقيقيًا راسخ الجذور. فالكتابة الفكرية تقتحم المكان والزمان، بيد أن متطلباتها ما هي في خاتمة المطاف إلا تحت رحمة السلطة الحقيقية. وإن لكل أمثال هذه الكتابات، بغض النظر عن خصائصها الخادمية الآنية، تنطوي على سخريات داخلية خاصة بها تهم المفكر وتعود بالمتعة عليه. أو تأملوا المناسبة الواردة في"أسفار غوليفر"حين يخلق غوليفر مساحة واسعة على منشفته المبسوطة لفرسان ليليبوت وكيف نتيقن من أنهم سوف يتساقطون كلهم إذا انسحب غوليفر العملاق. ولكن القوة التي يملكها كعملاق تعمل بالمقابل ضده حين يتصرف كقزم في برودينغ ناغ على طاولات صغيرة أمام جمهور من النظارة العمالقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت