فهرس الكتاب
إن أعظم سخرية فكرية، أو أعظم سخرية لمفكر، توجد في الرحلة الرابعة، ألا وهي الحادثة الوحيدة التي خلبت ألباب قرائه كلهم دون سائر أعماله الأخرى. فنحن لا نستطيع بمنتهى البساطة أن نوهن قوتها أو أصالتها الخيالية الهدامة، لا بل وعلينا ألا نحاول ذلك. ولكن بمقدورنا أن نرى في الهويهنهم والياهوز -وبينهما غوليفر- مقدارًا معينًا من التحرر الفكري العام الذي تحرره سويفت من وهمه حيال المجتمع، تحرر يطرح علينا في النهاية خيارات في حدودها الدنيا لحياة مرضية. فالشيء الحاسم بالنسبة للهوينههم لا يكمن فيما إذا كان من المفروض بهم أن يكونوا مثاليين، بل في كونهم حيوانات، شأنهم بذلك شأن الياهوز الذين هم من بني البشر ولكنهم يتصرفون تصرفات أقرب إلى الحيوانات من بني البشر. إن وقائع الأمور على هذا النحو تمثل على الأرجح ما دعاه أورويل"بالعنف اللامسؤول للمستضعفين": فبما أنه لم يبق أي شيء في الحياة الإنسانية لسويفت كي يتمتع به، فإنه يهاجمها كلها. ولكن الشيء الذي كان على الدوام يخلف في نفسي أجمل الانطباعات في الرحلة الرابعة هو، علاوة على التحرر الأصيل من الوهم، استمرار بقاء غوليفر نفسه هناك -حتى بين ظهراني الهويهنهم- وهو يدوّن بمنتهى المنطق مدركاته واكتشافاته، وينتظر سنوح الفرص له لفعل أي شيء، الأمر الذي وقعه في النفس شأنه شأن أي شيء آخر في الحكاية. وإن انتهاء كل رحلة بطرد غوليفر أو هروبه يعكس، على ما أظن، أقصى حد من التوتر المأساوي في طاقة سويفت الفكرية، مثله بذلك مثل رحلات غوليفر إلى أمكنة خرافية تمامًا حيث يجب عليه الإذعان لأدق ضغوط كل وضع بأم عينه إذ تقوم تلك الرحلات مقام الشاهد على الرغبة العارمة لدى سويفت للتفتيش عن أشياء مادية بغية"الرد"عليها.