فهرس الكتاب
وذلك لأن الشيء الذي اكتشفه كونراد كان أن الهوة بين ما تقوله الكلمات وبين ما تعنيه تلك الكلمات تنحو منحى التوسع، لا التضييق، إن توفرت الموهبة لكتابة الكلمات. ولئن كان قد اختار أن يكتب فهذا يعني إذًا أنه اختار بطريقة معينة لا أن يقول بشكل مباشر ولا أن يعني بالضبط ما كان يريده بالطريقة التي كان يأمل أن يقوله بها أو يعنيه. فلذلك ليس من المستغرب أن يكون كونراد قد عاد إلى هذا الهم المعضل مرارًا وتكرارًا- وهو الهم الذي دأبت كتابته على إكسائه المسرحي بشكل دائم وعلى نحو خلاق.
وثمة عناية فائقة مكرسة لمبعث قص القصص- الأمر الذي يشكل الدليل على الحاجة الماسة لتسويغ سرد الحكاية بطريقة ما. فمثل هذه العناية بالباعث الحقيقي لسرد حكاية ما تتضارب مع الوصف الذي ساقه كونراد في"سجل شخصي"عن بدايته ككاتب. وبدلًا من السيرورة المعقولة التي تحول بها بحار إلى كاتب يقول أن"تصور كتاب منظم كان بالمطلق خارج إطار نطاقي العقلي حين جلست للمبادرة بالكتابة". ففي صبيحة أحد الأيام استدعى ابنة ربة منزله وقال لها:"هل تتكرمين بإزالة هذا كله توا؟"لقد خاطبتها بنبرات متهدجة، كوني كنت في الوقت نفسه منهمكًا بإعداد غليوني لتدخينه. وهذا المطلب، أعترف لكم، كان مطلبًا استثنائيًا وأتذكر وقتها أنني كنت في سكينة تامة. وفي حقيقة الأمر ما كنت البتة متأكدًا من أنني كنت أريد الكتابة، وما كنت متأكدًا مما أريد كتابته، لا، وعما إن كان لدي أي شيء أود الكتابة عنه. لا، ما كان لدي أي هاجس على الإطلاق."