فهرس الكتاب
فتفاعل أمثل هذه المتناقضات يوجب وسمه بأنه أسدى خدمة جليلة لكونراد أكثر مما كان من الممكن لأي مسعى آخر أن يسديه، سواء أكان ذلك المسعى لفظيًا أو لدنًا أو إيمائيًا. وهأنذا أعلق أهمية قصوى على هذه الملاحظة. فمرارًا وتكرارًا يجري التفتيش في نص من نصوص كونراد عن نصوص فرعية إضافية أو عن معاني ذوات امتيازات من ذلك النوع الذي يبدو بأنه أكثر أهمية من الكتاب نفسه. وحري بنا أن نشير إلى قلة الاهتمام بالبديهية التي هي في متناول اليد والتي مفادها أن النص، كما هو عليه في حقيقة الأمر، كان بالنسبة لكونراد شيئًا ناتجًا، لا بل والشيء الناتج بحد ذاته- والشيء الذي كان يعود إليه بين الحين والحين ككاتب أو ناقد أو مدافع أو مراقب أو ضحية. فالنص كان الناتج الذي لا نهاية له لسيرورة متواصلة. وبالنسبة إليه، كما يثبت من خلال العديد من الرسائل، كان ضرورة الكتابة منذ أن أصبح كاتبًا، بمثابة المشكلة العويصة، إذ منذ أن حزم أمره على خوض غمار الكتابة، على الرغم من السرية المطلقة التي اتخذ بها قراره، كان يتصور حياته المسلكية ككاتب أنها سيرورة مادية، ويرى أن قدره يسوقه لإنجاز مهمة عسيرة تعترض سبيلها عقبة كأداء على نحو خاص."إن الوحدة تنال مني، فأنا لا أرى شيئًا، لا أقرأ شيئًا، وكأن هذه الحالة نوع من القبور، ونوع قد يكون جحيمًا، إذ علي أن أكتب أن أكتب أن أكتب" (2) . فالعزلة والظلمة وضرورة الكتابة والاحتباس هي الضغوط التي تنيح بكلكلها على الكاتب وهو يمارس الكتابة، ولا سيما إن كان على شاكلة كونراد الذي نادرًا ما صادفت كاتبًا مثله فياضًا بذلك المقدار الكبير من التذمر والشكوى.