فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 581

لقد كان كونراد يغالي في تقدير قيمة اللغة على ما يبدو، أو يغالي في تقدير سطوتها عليه على الأقل. وأنا لا أعني بهذا القول إصدار حكم ضده باعتبار أن العناية الفائقة التي أولاها للطريقة التي روى بها رواياته تنبثق من صميم تلك المغالاة. فرواية"قلب الظلمة"مثلًا عبارة عن بنيان مركب يشتمل على نصف دزينة من"اللغات"فيه، ولكل واحدة منها ميدان خبرتها الخصوصي وزمانها ومركز وعيها، ولذلك فالقول بأن كونراد كتب بالإنكليزية يعني بالفعل القول أن كونراد يجري تمييزات خيالية خارقة في قلب اللغة الإنكليزية، وتمييزات ما خطر على باب أي كاتب قبله أنها ضرورية، وتمييزات كانت بمثابة"إقراره المادي"بالمصادر اللفظية لقصة كانت دائمًا خارج إطاره وبعيدة عنه. فهذه التمييزات كانت الحصن الذي تحصن فيه كونراد ليدفع عن نفسه انقضاض اللغة عليه: إذ من خلال إعادة ترتيب اللغة وإعادة تشتيتها، ومن ثم إعادة تركيبها في أصوات، تمكّن من تنظيم عمله وتنفيذه ككاتب. وإن تعدد العناصر الروائية الأساسية يصبح بالإمكان عندئذ تصوره وكأنه يطوق موضوعًا بطرائق عديدة شتى. وأما النتيجة الخالصة في خاتمة المطاف فتكون، كما يقول مالارميه في"أزمة الشعر" (Crise de vers) ، الإقرار"بمبادهة الكلمات نظرًا لصراخها بأعلى الصوت بعدم المساواة الحركية فيما بينها" (4) . بيد أن ما يتبقى من الكلمات هو ذلك الأثر الحرون من هوية الكاتب باعتباره أثرًا عسير الانقياد للغة. وإن ذلك الأثر المستثنى هو، بتلك السخرية العجيبة التي تروق لكاتب يتمناك أن ترى بأم العين، الشخص المنقوش الفعلي نفسه، أي الكاتب، ومع ذلك فكونراد يتظاهر أن الكاتب كان عنصرًا ثانويًا. وهكذا فإننا نلاحظ، مرة أخرى، كيف أن الأصوات التي تؤدي إلى الرؤية تطمس ما كان كونراد قد دعاه"بالعامل بالنثر"الذي يجب على اختفائه، كما يقول مالارميه، أن يثمر الأعمال الكاملة النقية"l,oeuvre pur".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت