فهرس الكتاب
ترى ماذا يستتبع تحديدًا ذلك التحول؟ فأولًا وقبل أي شيء آخر، ونظرًا لأن منزلة المعلومة اكتست طابع المعضلة، صارت وسيلة توصيل المعلومة تحظى بشهرة أكثر من السابق. وثانيًا صار على المتحدث أن ينوع كلماته ولهجته بما يكفي لتعويض عن شكوكه بفائدة الشيء الذي يقوله. فمرارًا وتكرارًا عبر كل من هنري جيمز وأوسكار وايلد، وهما من معاصري كونراد، عن هذا الصنف من التنويع بأنه خلق التشويق، إذ إن التشويق في مثل كهذا يعتمد اعتمادًا محكمًا على ارتياب (أو حتى على جهل) بالشيء المفيد عمليًا. فالبراعة الفنية الفائقة التي تبدو على إدارة كونراد لحكايته، وهي الشيء الذي بلغ ذروته في رواية"المصادفة"، لأمر ينطوي دائمًا على أهمية توازي أهمية أية معلومة تأتي بها الحكاية- لا بل وإنها في العادة أكثر تشويقًا وأهمية أيضًا. وإن بمقدور المرء أن يقول هذا الشيء دون أن يكون في نيته التقليل بشكل من الأشكال من شأن المعلومات البحرية الواردة في روايات كونراد ولا من شأن عشاقها بين قرائه. وثالثًا لم تعد الحكاية تفترض وجود مستمعين وحسب، لا بل وصارت تكسوهم كساء مسرحيًا أيضًا إلى الحد الذي يجعل حتى الكاتب نفسه يظهر بمظهر المشارك أغلب الأحيان في الحكاية كمن يستمع أو كمن، وعلى نحو أدق في حالة كونراد، يتسربل سرباله المسرحي ويتلقى الانطباعات. ورابعًا: صارت الرواية موضع التلاوة، أي شيئًا في قلب سيرورة فعلية كي تكون موضع السرد أكثر مما هي معلومة مفيدة. إن استخلاص المعلومة من السرد الروائي، عند كونراد، علاوة على حقيقة كون لغته تأخذ في العادة شكل الكلام المنقول، ما هما إلا إشارتان إلى أن ما يقال يجب ألا يكون بالتحديد شيئًا هامًا أو واضحًا أهمية أو وضوح من يقوله ولماذا وكيف.