فهرس الكتاب
وليس هنالك من مكان أكثر من رواية"المصادفة"حيث يتمكن فيه القارئ من رؤية كونراد وهو يخلق التوتر والتصارع، ومن ثم النسيج الروائي الديناميكي، من صميم قول متضارب مع أقوال أخرى، على الرغم من التحامه بها بشكل لا مناص منه.
إن رواية"لورد جيم"لإحدى أوائل روايات كونراد المطولة التي تجعل من المعرفة والمعقول والرؤية أمورًا من مهمات النطق. فالرواية تنطلق"بفعل من أفعال الخيار العقلاني"الذي يوجه عيني مارلو صوب جيم أثناء الاستعلام. وبعد فترة"من التحادث اللانهائي مع نفسه"وفي وقت"يكف فيه الكلام عن أن يكون مفيدًا له"يقابل جيم في النهاية رجلًا يعمل حضوره على حلحلة عقد ألسنة"الرجال ذوي الكلف البسيط، وذوي الكلف الشديد، وذوي الكلف الخبيء الوبائي". فمارلو لم يصخ السمع وحسب بل وكان"راغبًا في تذكر جيم بقضه وقضيضه وبالتفاصيل وبشكل مسموع". وبالفعل كان لدى جيم"أسرار هامة"يود الاعتراف بها، ولكن نزوع مارلو للإخبار والتذكر أمر مهم أيضًا أهمية الاعتراف بالنسبة للكتاب". فمنذ أول كلمة [من حكايته] يصبح جسد مارلو ساكنًا وهو مرتاح في المقعد وكأنه روحه شقت طريقها رجوعًا إلى ردح طويل من ماضي الزمان وطفقت تتحدث عبر شفتيه من الماضي" (33/21) . وإن المسامحة التي يبديها مارلو حيال جيم مغروسة جذورها في نفس تلك النزعة نحو التصور الرومانسي الذي يجعل جيم يفضل، وإلى حد التعقيد، الرحلات البحرية الجسورة الوهمية على الرحلات الفعلية. فلا رجل من هذين الرجلين، سواء منهما السامع أو الراوي، يقيم في عالم الوقائع بشكل فعلي. وأولايهيم جيم على وجهه ومن ثم مارلو بغية"إدراك المنّاع على التصور"، الأمر الذي يشكل مسعى ملحاحًا جدًا وساميًا في الوقت نفسه إلى الحد الذي يقتضي فيه ضمنًا"قيام معركة خطيرة وجليلة حول جوهر الحياة الحقيقي". وفي خاتمة المطاف يبين كونراد أن جيم لا يتحدث إلى مارلوبل بل أمامه وحسب.