فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 581

إن ما يبدو للوهلة الأولى وكأنه توافق في الآراء يتحول إلى زمرة من الخطوط المتوازية. وعلاوة على ذلك فإن مارلو يقول صراحة فيما بعد أن جيم ما وجد إلا من أجله، وكأنه يريد أن يقول أن اعتراف جيم أمام مارلو ينطوي على أهمية أكبر من الأهمية التي ينطوي عليها ذلك الشيء الذي اعترف به جيم (مع العلم أن كلًا من مارلو وجيم يبدوان على مقدار متساوٍ من التشوش بهذا الشكل أو ذاك) . وأما جيم فإنه لا يوجد فعلًا لسامعه إلا جراء تلك المأثرة، لإجراء مغامراته البطولية بحد ذواتها ومن تلقاء أنفسها وحسب. ولقد علقت أنا آنفًا على ممارسة كونراد، الأمر الذي يتجلى فيما يقوله مارلو عن الظهور الملغز الذي ظهره جيم وعن توقانه للتحدث، أي عن تبديل المواضع بين المنظور والملفوظ: بما مفاده أن الطريقة التي تبين فيها الحكاية كيف أن"التوهم قد استأثر بجيم واختصه لنفسه"لقول ينبثق للتو عن هذه الممارسة. فالتوقان الذي تتوقه نفس جيم للإقدام على مغامرة محفوفة بالأخطار المميتة، مثله مثل السرد الذي يسرده مارلو ومثل الإصغاء الذي نصغيه للحكاية، لا يتفق وأي مخطط هيّن يكفل الإتيان بالإخبار ويضمن التقدم المباشر المطرد من المطمح، مثلًا، إلى الإنجاز، وإنما يتطابق مع نزوة نظرية ذات قسط أوفى من التجريد. فالنزوة لا تستطيع أن تجد لها أية صياغة في مجريات الأحداث، ولا أية انطباعة ذهنية، إلا في ذلك العنوان الغامض -التوهم- لنقل البحث الدؤوب القلق الذي يبحثه جيم. إن مقتضيات النزوة، باعتبارها محشورة في ديمومة الكلام المنقول أو المنطوق، ما هي نسبيًا أيضًا إلا أشياء أثيرية كالنموذج والإيقاع والعبارة والسياق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت