فهرس الكتاب
إن وظيفة الإسناد في الكلام مربوطة بدور وضعية الحديث ضمن إطار تبادل اللغة نفسها: ففي تبادل الكلام يكون المتحدثان حاضرين أحدهما أمام الآخر، وحاضرين أيضًا في الإطار الظرفي للحديث، لا في البيئة المدركة حسيًا وحسب، بل وفي الخلفية الثقافية المعروفة لدى المتحدثين كليهما. فالحديث، فيما يتعلق بهذه الوضعية، يكون له مغزاه الكامل: فالإسناد إلى الواقع ما هو في التحليل الأخير إلا إسناد لذلك الواقع الذي من الممكن تحديده أنه"حول"مثال الحديث نفسه، إن جاز التعبير، فاللغة... وعموم المؤشرات الظاهرية للغة تؤدي دور تثبيت الحديث في الواقع الظرفي الذي يحيط بمثال الحديث. وهكذا فإن المعنى المثالي لما يقوله المرء، في الكلام الحي، ينثني نحو إسناد واقعي، أي نحو ذلك الشيء الذي يتحدث عنه المرء...
ولكن هذه الحالة لا تبقى على حالها حين يحل النص محل الكلام... فالنص ليس بدون إسناد، ولسوف تكون بالتحديد مهمة القراءة، كتأويل، جعل الإسناد أمرًا واقعًا، وعلى الأقل، في هذا الإرجاء الذي يكون فيه الإسناد معلقًا، أي أنه مؤجل، يكون النص إلى حد ما"في الفراغ"، خارج نطاق العالم أو بدون أي عالم البتة، ولذلك فمن جراء هذا الطمس لأية علاقة للنص بالعالم، يكون أي نص حرًا في إقامة علاقة له مع كل النصوص الأخرى التي تأتي لتحل محل الواقع الظرفي الذي يبديه الكلام الحي (1) .