فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 581

إن الصعوبة الأساسية في هذا كله هي أن ريكوير يفترض، دون أدلة كافية، أن الواقع الظرفي ما هو منهجيًا وحصرًا إلا ميزة الكلام، أو ميزة وضعية الكلام، أو ميزة ما كان الكتّاب يودون قوله لو لم يختاروا الكتابة بدلًا من القول. ووجهة نظري هي أن الدنيوية لا تروح وتجيء، وليست هنا وهناك بتلك الطريقة التبريرية والضبابية التي نعتمدها غالبًا لتصنيف التاريخ، والتي هي بمثابة زركشة بيانية في أمثال هذه الحالات كناية عن التصور المبهم المحال القاضي بأن الأشياء كلها تحدث في الزمان. وعلاوة على ذلك فالنقاد ليسوا مجرد شرّاح كيمائيين مهمتهم تحويل النصوص إلى واقع ظرفي أو إلى دنيوية ظرفية، لأنهم هم أنفسهم أيضًا خاضعون ومنتجون للظروف التي نشعر بها بغض النظر عن مقدار الموضوعية الموجودة في مناهج النقاد. إن الشيء الأساسي هو أن النصوص لها طرق في الوجود بحيث أنها حتى في أسمى شكل لها تبقى دائمًا فريسة الوقوع في شراك الظرف والزمان والمكان والمجتمع -وباختصار فهي في الدنيا ولذلك فإنها دنيوية (2) .

وسواء أبقي النص مصونًا أو نحي جانبًا لفترة من الزمن، وسواء أكان على رف في مكتبة أولًا، وسواء أكانت النظرة إليه بأنه خطير أولًا: فهذه الأمور عليها أن تتعامل مع وجود النص في الدنيا، وهذا أمر أكثر تعقيدًا من العملية الخاصة للقراءة. إن هذه المضامين نفسها صحيحة بلا شك عن النقاد في قدراتهم كقراء وكتاب في الدنيا.

وإذا كان لاستخدامي التسجيل الذي سجله غولد لسيمفونية بيتهوفن الخامسة أي مقصد مفيد عمليًا، فهو إيراد مثال عن شيء شبه نصي له طرائقه في التعامل مع الدنيا، وطرائق عديدة ومعقدة، وأكثر تعقيدًا من الحد الفاصل الذي رسمه ريكوير بين النص والكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت