فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 581

لقد وجدت طريقة للبدء بمعالجة هذه الأسئلة في مكان غير متوقع، الأمر الذي سيجعلني أميل إلى الاستطراد على ما يبدو. فكروا بذلك المضمار غير المألوف لكم نسبيًا، ألا وهو التأمل العربي لعلم اللغة إبان العصور الوسطى. فالعديدون من النقاد المعاصرين مشغولون في التأمل باللغة في أوربا، أي بذلك المركب الذي يتألف من التخيل النظري والملاحظة التجريبية، والذي يسم الفيلولوجيا الرومانسية ونشوء علم اللغة في مطلع القرن التاسع عشر، ويسم كل تلك الظاهرة الغنية التي دعاها ميشيل فوكو باكتشاف اللغة. لكن ومنذ القرن الحادي عشر ظهرت في الأندلس مدرسة صقيلة التحبيك ونبوية على غير توقع من الفلاسفة النحاة المسلمين ممن مساجلاتهم سبقت مماحكات القرن العشرين بين البنويين والمبدئين، وبين الوصفيين والسلوكيين. بيد أن هذا ليس كل ما في الأمر، إذ إن زمرة من علماء اللغة الأندلسيين وجهت نشاطها ضد بعض التوجهات لدى لغويين منافسين كانوا يحاولون قلب مسألة المعنى في اللغة إلى ممارسة ملغزة ورمزية. ومن بين أفراد تلك الزمرة كان ثلاثة من علماء اللغة والنحاة المنظرين وهم ابن حزم وابن جني وابن مداعة القرطبي الذين كانوا كلهم يعملون في قرطبة خلال القرن الحادي عشر، وكانوا كلهم من أنصار المذهب الظاهري، كما كانوا كلهم خصومًا للمذهب الباطني، لقد كان الباطنيون يعتقدون أن المعنى في اللغة مخبوء في صميم الكلمات، ولذلك فإنه لا يتاح إلا كنتيجة للتأويل الباطني، وأما الظاهريون -ونعتهم هذا مشتق من الكلمة العربية التي تعني الواضح والجلي والظاهر، في حين أن نعت الباطنيين يفيد ضمنا الداخلي- فقد كانوا يدافعون عن المقولة التي مفادها أن الكلمات ليس لها إلا المعنى السطحي، أي ذلك المعنى الذي اقترن وترسخ باستعمال وظرف محددين أي بوضع تاريخي وديني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت