فهرس الكتاب
إنني أريد الآن أن أبحث بعض تلك الطرائق التي تفرض بها النصوص القيود على تأويلها أو تلك الطريقة، إن قلنا بشكل مجازي، التي فيها قرب هيكل الدنيا من متن النص يجبر القراء على أخذ الاثنين معًا بعين الاعتبار. فالنظرية النقدية الحديثة أكدت توكيدًا مفرطًا على انعدام محدودية التأويل. وثمة محاولات تجري الآن للبرهان على المقولة التي مفادها أن كل القراءات مغلوطة، ونظرًا لذلك فما من قراءة أفضل من أخرى غيرها، ومن ثم فكل القراءات في التحليل الأخير، مع العلم أن عددها لا محدود على أرجح الظن، ما هي إلا تأويلات مغلوطة على قدم المساواة. إن قسطًا من هذه المقولة اشتق من تصور للنص بأنه موجود في قلب كون نصي هيليني سحري، كونه لا يمت بأية صلة إلى الواقع. بيد أنني لا أوافق على هذا الرأي، لا لأن النصوص موجودة بالفعل في الدنيا بكل بساطة وحسب، بل ولأن النصوص كنصوص تموضع أنفسها -وإحدى مهماتها كنصوص أن تموضع أنفسها- وتبقى بالفعل على ما هي عليه من خلال استقطابها اهتمام الدنيا. وعلاوة على ذلك فإن طريقتها لفعل هذا هي وضعها القيود على ما يمكن فعله بها جراء التأويل.
إن التاريخ الأدبي الحديث يعطينا عددًا من الأمثلة عن كتّاب يبدو نصهم يجسد بإدراك ذاتي الظروف الجلية لموقعه المخيل ماديًا، بل والموصوف أيضًا. فثمة نموذج من الكتاب -ولسوف أبحث ثلاثة أمثلة هم جيرارد مانلي هوبكينز وأوسكار وايلد وجوزيف كونراد- يتصور عامدًا متعمدًا أن النص يحظى بالتعزيز من موقع منطقي يشتمل على المتحدث وجمهور المستمعين، وبذلك يكون التفاعل المقصود بين الحديث والتلقي، بين اللفظية والنصية، هو موقع النص، أي وضعه لنفسه في الدنيا.
أولئك الكتاب الثلاثة الذين ذكرتهم قاموا بعملهم الأساسي بين عام 1875 وبين عام 1915. إن موضوع كتابتهم يتباين تباينًا كبيرًا جدًا إلى حد يتعذر فيه وجود جوانب تشابه فيما بينها. واسمحوا لي أن أبدأ بافتتاحية صحفية لهوبكينز: