فهرس الكتاب
فبما أن نصه قد فقد الآن قدرته على احتواء وطأة الخلق، وبما أنه لم يعد ذلك الإنجاز الكبير بل استحال إلى ما يدعوه في قصيدة لاحقة"بالأحرف الميتة"، فليس بوسعه الآن إلا كتابة تعليل، الذي هو بمثابة كلام ميت"يميل نحو سند حقيقي".
لقد قيل عن أوسكار وايلد بلسان أحد معاصريه أن كل ما كان يتحدث به كان يبدو وكأنه مغلّف ضمن علامتي الاستشهاد. وهذا القول ليس أقل صحة من كل ما كتبه أيضًا، وذلك لأن مثل هذه الحالة كانت النتيجة لاتخاذ وضعية معينة (pose) ، الأمر الذي عرّفه وايلد بأنه"إدراك أساسي لأهمية التعامل مع الحياة من منطلق محدد معقول" (15) . أو مثلما يكيل آلغرنون الصاع صاعين لجاك حين اتهمه قائلًا:"أنت تحب دائمًا أنن تجادل حول الأشياء"فأجابه"ذلك بالضبط ما جاءت الأشياء من أجله" (16) ، في مسرحية وايلد المعنونة بـ"أهمية كون المرء جادًا". وبما أن أوسكار وايلد كان على الدوام مستعدًا لإطلاق التعليقات الجديرة بالاستشهاد، فقد ملأ مخطوطاته بالأقوال المأثورة عن كل ما يمكن أن يتخيله المرء من موضوعات، إن ما كتبه كان المقصود به مزيدًا من التعليق أو الاستشهاد، أو كان المقصود به، وهذا أهم من سابقيه، أن تعود به الجذور إلى وايلد نفسه. ومن الواضح أن هناك أسبابًا اجتماعية لبعض هذا الغرور الذي لم يقم وايلد بأية محاولة لإخفائه في سخريته."إن محبة المرء لنفسه لهي بداية قصة رومانسية طويلة طوال الحياة"، ولكن تلك الأسباب لم تكن لتنوء بعبئها على الفصاحة في أسلوب وايلد. وبعد أن آلى وايلد على نفسه على الاستخفاف بالعمل والحياة والطبيعة نظرًا لنقصانها وتناثرها، اتخذ مملكة له ذلك العالم المثالي النظري الذي كانت فيه المحادثة، كما قال لآلفريد دوغلاس في كراسته المعنونة بـ"من الصميم" (De profundis) ، أساس العلاقات البشرية كلها.(