فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 581

فهذه المحظورات تتداخل فيما بينها وتعزز وتكمل بعضها بعضًا لكي تشكل شبكة معقدة عرضة للتعديل على الدوام. ولسوف أشير بمنتهى البساطة إلى أن المناطق التي تكون فيها هذه الشبكة على أضيق ما يكون من التحبيك اليوم، حيث تكون مكامن الخطر أكثر عددًا، هي تلك المناطق التي تعالج السياسة والجنس... فالكلام في الظاهر قد لا يكون موضع الاعتبار الكبير، ولكن المحظورات التي تطوقه سرعان ما تكشف عن صلاتها بالشهوة والسلطة... إن الكلام ليس مجرد ترجمة لفظية للصراعات وأنظمة السلاطة... بل إنه نفس موضوع صراعات الإنسان. (26)

إن الوضع الاستطرادي، على الرغم من الصورة المثالية المبسطة التي صوره بها ريكوير، وبعيدًا عن كونه نوعًا من أنواع المحادثة بين ندّين، يشبه على الأرجح تلك العلاقة غير المتكافئة بين مستعمِر ومستعمر، بين قامع ومقموع، فبعض المحدثين العظماء، ومن أبرزهم بروست وجويس، كانوا يدركون ببصر ثاقب هذا التضاد، ولذلك فإن تصويراتهم للوضع الاستطرادي تسلط عليه دائمًا أسطع الأضواء السياسية/ السلطوية. إن الكلمات والنصوص على أوثق ارتباط بالدنيا وإلى ذلك الحد الذي يجعل فعاليتها، لا بل وحتى استخدامها في بعض الحالات، أمرين على علاقة بالتملك والسلطة والقوة وفرض الهيمنة. ولحظة من لحظات التقويم تحدث في الوعي الثوري لدى ستيفان ديدالوس حين يتحادث مع العميد الانكليزي للموضوعات الدراسية:

وما هو ذلك الجمال الذي يكافح الفنان للتعبير عنه من كتل من التراب، قال ديدالوس ببرودة أعصاب.

لقد بدا وكأن تلك الكلمة الصغيرة توجه رأس حربة حساسيته ضد هذا الخصم الدمث الحذر، وشعر باكتئاب شديد أن الرجل الذي يتحدث معه إنسان ريفي من منطقة بن جونسون. ففكر مليًا-: إن اللغة التي نتحدثها هي لغته قبل أن تكون لغتي. يا للبون الشاسع بين لفظ كلمات كالوطن والمسيح والجعة والسيد على شفتيه وشفتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت