فهرس الكتاب
إنني لا أستطيع نطق هذه الكلمات أو كتابتها دون اضطراب في الروح.
فلغته ستبقى بالنسبة لي، مع أنها مألوفة جدًا وغريبة جدًا، كلامًا مكتسبًا. إنني لم أنحت ولم أتقبل كلماتها أنا، وصوتي يستبقيها في حالة استنفار للدفاع عن النفس. إن روحي يحل بها الاضطراب في ظل لغته (27) .
إن عمل جويس تلخيص لكل تلك الانفصالات والاستبعادات والمحظورات السياسية والعرقية التي استنتها كقوانين، ومن منطلق التشرنق العرقي، الثقافة الأوربية الصاعدة إبان القرن التاسع عشر.
إن وضعية الحديث، كما يعرف ستيفان ديدالوس، قلما تضع الندين وجهًا لوجه. وعلى الأرجح فإن الحديث يضع محادثًا فوق آخر، أو إنه يرسم قانونيًا جغرافية المدينة المستعمرة، كما وصف فرتز فانون، بمنتهى التألق، ذلك التطرف الذي يمكن جرّ الحديث إليه في"معذبو الأرض":
إن المنطقة التي يعيش بها المواطنون ليست تكملة للمنطقة المأهولة بالمستوطنين.
فالمنطقتان متقابلتان، لكن لا في سبيل خدمة وحدة أسمى. وامتثالًا منهما لقواعد منطق أرسطو، فالمنطقتان كلتاهما تطبقان مبدأ الانعزال المتبادل. وليس من الممكن التصالح لأن تعبيرًا واحدًا من هذين التعبيرين زائد عن اللزوم. إن بلدة المستوطنين بلدة ذات بناء متين كله من الحجارة والإسمنت المسلح، وبلدة تتلألأ فيها الأضواء ويغطي الإسفلت شوارعها، علاوة على أن عربات نقل النفايات تبتلع كل الفضلات وتعبر الشوارع وكأنها غير مرئية وغير معروفة وقلما تخطر على بال أحد. وأما قدما المستوطن فإنك لن تراهما بتاتًا، إلا ربما في البحر، ولكنك حتى هناك لن تكون على مقربة كافية منه حتى تستطيع رؤيتهما. فقدماه محميتان بحذاء قوي على الرغم من أن شوارع بلدته نظيفة ومستوية وخالية من الحفر أو الحجارة. إن بلدة المستوطن بلدة معتلفة على خير ما يرام، وبلدة هنية البال، ومعدتها مليئة دائمًا بأشهى الأشياء. إن بلدة المستوطن هي بلدة الناس البيض، بلدة الغرباء.