فهرس الكتاب
إن الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة هي التيقن من مدى غرابة هذه الأسئلة في سياق البحث العام الذي يجريه النقد الأدبي المعاصر. ولكن هذا القول لا يعني أن مشكلات النقد غير مطروحة على بساط البحث، بل يعني على الأرجح أن النظرة إلى النقد هي أنه مقيد بالأساس تقييدًا قاطعًا بثانوية دوره، بسوء حظه زمنيًا من جراء مجيئه بعد النصوص والمناسبات التي من المفروض به أن يتعامل معها. ولئن كان من المفروغ به للتو صحة القول أن النصوص مظنة لكتلة متراصة من الموضوعات الماضيات التي يحاول النقد قنوطًا تذييل نفسه بها في الزمن الحاضر، يكون وقتئذ مجرد أصل النقد رمزًا لتأخره زمنيًا لأن تأريخه كان من الماضي أكثر منه في الحاضر. فكل ما حاولت قوله سابقًا عن النص -عن ارتباطه ارتباطًا ديالكتيكيًا بالزمن والحواس، أي عما في النص من تلك المفارقات التي يتبيّن من خلالها أن الحديث سرمدي على الرغم من أنه مشروط، علاوة على أنه مشحون ومتصلب سياسيًا شأنه بذلك شأن الصراع بين القاهر والمقهور -فهذا كله كان بمثابة رفض ضمني لثانوية الدور المنوط بالنقد. ولكن حتى لو افترضنا، بدلًا من ذلك، أن النصوص تشكل تلك الأشياء التي دعاها فوكو بالوقائع الأرشيفية، مع العلم أن تعريف الأرشيف هو حضور النص حضورًا استطراديًا اجتماعيًا في هذه الحياة الدنيا، يكون النقد عندئذ أيضًا مظهرًا آخر من مظاهر الشيء الموجود. فالنقد، بكلمات أخرى، بدلًا أن يكون مقيدًا بالماضي الصامت وتحت إمرته كي يتحدث في الزمن الحاضر، هو الحاضر وبشكل لا يقل عن أي نص آخر في مسيرة تبيين نفسه، أي في مسيرة كفاحه ابتغاء التحديد.