فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 581

ويجب علينا ألا ننسى أن الناقد لا يستطيع أن يتحدث دون وساطة الكتابة، وفي الوقت الذي يتعامل فيه الشعر بالانطباعات الذهنية، فإن المقالة تنغمس في تلك الانطباعات انغماسًا تشاطرها فيه الأفلاطونية والباطنية. ولو أن محاولة قامت، كما يتابع لوكاش، لمقارنة شتى أشكال الأدب بنور الشمس المتكسّر في موشور لكانت المقالة بمثابة الضوء فوق البنفسجي. إن ما تعبر عنه المقالة يكمن في التشوق لاحتلال منزلة المفهوم والعقلانية، علاوة على صيرورتها حلًا للمسائل الجوهرية المتعلقة بالحياة. (فلوكاش في تحليله يشير إلى سقراط بأنه الشخصية المقالاتية النموذجية، متحدثًا على الدوام عن شؤون دنيوية عاجلة في نفس الوقت الذي كانت فيه حياته كلها تنم عن أرهف وأعمق تشوق مكتوم.

وهكذا فإن أسلوب المقالة أسلوب ساخر بما يعني أولًا: أن الشكل واضح نقصه من زاوية عقلانيته قياسًا بالخبرة المعاشة، وثانيًا: أن شكل المقالة نفسه، لكونه مقالة بحد ذاته، لهو مصير ساخر قياسًا بالمسائل الكبرى المتعلقة بالحياة. إن موت سقراط، في اعتباطيته وعدم علاقته بالمسائل التي كان يناقشها سقراط، يرمز تمامًا إلى مصير مقالاتي، الذي يعني غياب مصير مأساوي حقيقي. وهكذا فالمقالة، على نقيض التراجيديا، ليس لها خاتمة داخلية إذ ما من شيء يمكنه أن يعترض سبيلها، أو يقضي عليها، إلا شيء من خارجها هي، مثلها مثل موت سقراط الذي كان بقرار قضائي سري ووضع حدًا لحياة تساؤلاته.

إن الشكل يؤدي في المقالة نفس المهمة التي تؤديها الانطباعات الذهنية في الشعر:

فالشكل هو واقعية المقالة، والشكل هو الذي يوفر لكاتب المقالة صوتًا يتساءل به عن مسائل الحياة، حتى لو كان على ذلك الشكل أن يستغل الفن على الدوام- كتابًا أو صورة زيتية أو قطعة موسيقية- لما يبدو عليه بأنه موضوع الآني البحت لاستقصاءاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت