الصفحة 11 من 42

اقتاد جنود الوالي الغشوم هشام بن اسما عيل العالم الجليل ذات صباح إلي وسط المدينة مكبّلا بالأغلال، وراحت سياطهم الفاجرة الآثمة تلهب ظهره الطاهر في جنون وحشي ،والناس يرتعدون هلعا، وكلهم يأسي لما أصاب الشيخ المبارك، لكن أحدا لا يجرؤ علي التصدي للطغاة الذين سفكوا الدماء وأذلوا الرقاب في سبيل تنفيذ رغبات ملوك بني أمية .

لم يكتفوا بجلد ولي الله أمام أهله وتلاميذه، بل ألبسوه ثيابا من الشعر ووضعوه علي ظهر جمل أجرد وطافوا به مدينة الرسول صلي الله عليه وسلم حتى قالت له امرأة في حسرة: ما هذا الخزي يا سعيد؟! تقصد أن تلومه علي ما صنعه بنفسه، فرد عليها في يقين موضحا لها أن الخزي ليس في تعرضه للعذاب والبطش، ولكن الخزي والذل في طاعة الحكام الظالمين وتلبية أوامرهم ورغباتهم . و قد أودع الفقيه العظيم سجن المدينة مرة أخري، لكنه أصر علي موقفه المناهض للظلم و الباطل والطغيان. ولعل هذا كان أعظم درس تلقاه عمر بن عبد العزيز من أستاذه ومعلمه سعيد بن المسيب رضي الله عنه طول فترة مكثه بالمدينة.

إن العالم أو الداعية لا ينبغي له أن يشتري بآيات الله وأحكامه ثمنا قليلا تافها من دنيا الناس الفانية، وإنما عليه أن يقف- ولو وحيدا- ليصدع بكلمة الحق في وجه السلطان الجائر مهما ناله من بطش و أذى، وهذا أفضل الجهاد عند الله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت