دخل العشرة الكبار إلي مجلس الأمير الشاب ليعرفوا لماذا دعاهم وليسمعوا كيف يحكم هذا الفتي المدينة، وهو الذي توسموا فيه الخير والصلاح منذ جاء إلي مجالسهم طفلا غضا يطلب العلم. حمد عمر ربه وأثني عليه بما هو أهل له ثم قال موجها حديثه لأستاذته العشرة:"إني لا أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم .فإن رأيتم أحدا يتعدّى أو بلغتكم عن عامل لي مظلمة- ظلما للرعية- فاستحلف من بلغه ذلك أن يطلعني عليه". بهذه العبارات المشرقة بدأ الأمير الشاب ولايته علي مدينة رسول الله. لقد اختار مجلسا للشورى يضم كبار الفقهاء ووجهاء المسلمين من ذوي العلم والكفاية والعدالة والمكانة ليشاركوا في تحمل المسئولية ويشيروا عليه بالرأي الصواب، لأن يد الله مع الجماعة، ومن استبد برأيه فقد هلك. وهو أيضا يشدّد التنبيه علي هؤلاء الصالحين الصادقين ألّا يتركوا واقعة تبلغ مسامعهم عن أي عامل من عماله يظلم فيها أحدا من الناس إلا أبلغوها له شخصيا، حتى يتخذ فيها إجراء رادعا يعيد الحق إلي أهله، ويعاقب العامل الظالم بشدّة كي لا يعيد الكرّة . خرج العلماء العشرة من مجلس عمر بن عبد العزيز وهم يدعون له بالتوفيق والعون والرشد. وكانت الخطوة التالية التي أقدم عليها عمر هي تمكين أهل المدينة من نيل حقهم المشروع في القصاص من الحاكم الظالم هشام بن إسماعيل الذي أذاقهم ألوان العذاب والتنكيل طيلة 4 سنوات. ومن آيات أولياء الله الصادقين أنهم يعفون عند المقدرة ولا يجزون بالسيئة السيئة، بل يحسنون إلي من أذاهم وبطش بهم ،وهذا ما فعله العالم الجليل سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين رضي الله عنهما بهشام بن إسماعيل.
وربما كان من خصائص حكام بني مروان أنهم خلطوا أعمالا صالحة بأخرى سيئة ولم يخل أحدهم من مناقب حسنة وإن أساء وتعدي وظلم.