سأله الوليد: كيف حال الشيخ؟ رد سعيد بن المسيب: بخير والحمد لله وحده.. كيف حال أمير المؤمنين؟ رد الوليد: بخير والحمد لله.. بهذه العبارات القصيرة انتهت المقابلة، ومضي الوليد من المكان وهو يردد مشيرا إلي سعيد بن المسيب: هذا فقيه الناس!! إنه الإسلام العظيم الذي يربّي في النفوس العزة والكرامة والشجاعة، فلا ترهب إلا الله ولا تخضع لسواه.
ويبدو أن الحجاج بن يوسف الثقفي عزّ عليه أن يسمع ثناء الناس ودعوا تهم لعمر بن عبد العزيز، بينما كانوا يصبّون عليه لعناتهم ليل نهار لما يسفك من الدماء ويستحل من المحرمات وإن كان مجتهدا متعبّدا فيما دون ذلك .. اشتعل حقد الطاغية الثقفي أكثر وكاد صدره ينشق غيظا عندما سمع برأي عمر فيه ، وعلم أنه أرسل إلي الوليد يطالبه بإبعاد الحجاج لكف الظلم عن الرعية. وجاء بالرسالة علي لسان عمر:"إن أهل العراق في ضيم وضيق مع الحجاج لظلمه وغشمه، ولو جاءت كل أمة بخطاياها ، وجاء بنو مروان بالحجاج وحده لكفاهم". وطالب الحواري الصالح ابن عمه - الخليفة - بعزل الحجاج والقصاص منه ورد حقوق المسلمين المغتصبة إليهم. وكعادة كل الظالمين المستبدين، تشبث الحجاج بكل قواه بموقعه وكرسيه ، ولجأ إلى الدس والوقيعة بين الوليد وعمر بن عبد العزيز ليبقي في منصبه .. كتب الطاغية إلي الوليد بن عبد الملك يحذره من خطورة استمرار عمر بن عبد العزيز في ولايته علي المدينة ومكة ، زاعما أن سياسة عمر من شأنها أن تفسد الرعية علي الخليفة ، ولا تستقيم معها أحوال الدولة ! وقال طاغية العراق للوليد:"إن عمر ضعيف عن إمرة الحرمين ، وهذا ضعف في الحكم، فاجعل علي الحرمين- مكة والمدينة - من يضبط أمرهما"!! .. واّثر الوليد الدنيا والهوى فأبقي علي السفاح الثقفي ، وعزل والي المدينة العادل!!