قال له المعلم: قدّمت هذا علي الصلاة؟!! وأرسل إلي والده بمصر يخبره بما حدث. غضب عبد العزيز بن مروان بشدة علي ولده، وأرسل إليه من مصر رجلا وأمره ألا يكلم ابنه حتى يحلق شعره كله تأديبا له علي تأخير الصلاة في تلك المرة اليتيمة . هكذا كانوا يربون الأطفال ويصنعون منهم بإذن الله رهبانا بالليل فرسانا بالنهار. وهكذا نشأ عمر بن عبد العزيز، حتى قال عنه معلمه وهو لم يزل صبيا غضا: ما علمت أحدا الله أعظم في صدره من هذا الغلام.
كان عمر يغشي مجالس العلم والفقه والذكر في المسجد النبوي الشريف فيسمع من أنس بن مالك وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسالم بن عبد الله وعروة بن الزبير وغيرهم من كبار الفقهاء والصالحين في عهده. وربما شدد عليه بعضهم وأغلظ له القول وهو يعظه، فلا يغضب الفتي الأموي، وهو ابن حاكم مصر وابن شقيق الخليفة الأموي الذي ترتعد أوصال أكثر الرعية فرقا من سيفه، وتطمح أبصار الكثيرين إلي ذهبه البراق وعطاياه المسرفة للأنصار والحواشي.
كان عمر يتواضع لهؤلاء الأعلام الفحول، وكانوا هم لا يعبأ ون بجاه الحكام وسلطانهم وما في أيديهم من أموال، لأنهم كانوا يزنون الدنيا بالميزان الصحيح، فلا يجدونها تساوي جناح بعوضة أو ما دونه، ولا يعنيهم منها إلا أن يعبروها بسلام إلي آخرة خير وأبقي. علم عبيد الله عبد الله بن عتبة رضي عنه إن تلميذه عمر بن عبد العزيز تحدث مرّة بلهجة غير مقبولة عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .
كان الصبي يردد ما اعتاد عليه الأمويون منذ وقع الخلاف علي الحكم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.
فأعرض عبيد الله عن تلميذه طويلا ثم نهره قائلا: متي علمت أن الله سخط علي أهل بدر -ومنهم علي- بعد أن رضي عنهم ؟! فهم عمر ما يقصده شيخه فهتف: معذرة إلي الله ثم إليك ، والله لا أعود إلى مثلها أبدا، فلم يسمعه أحد بعد ذلك يذكر عليا إلا بكل خير.