كلٌ له طريقته..فهذا قارىء وهذا مستغفر وهذا مصلٍ ..هذا كبيرٌ وهذا صغير..وهذا يتقلب في فراشه ثم يقوم ناصبًا قدميه يناجي ربه..وهذا
مقعد الجسد حي الروح واللسان..لايغمض له جفن..
ما أجمل سهر العابدين..وما أجمل أحاديثهم..وما أجمل صحبتهم
ورفقتهم..ليلة أضاء فيها نور القمر في السماء قبل منتصف الشهر
بل أضاء في قلبه وقلب كل عابدٍ خاشع..فأمست ليلة..قدسية
تغشاها المهابة..ليلة من تلك الليالي
المعدودات تحكي أعمارًا ممتدة من عمر الزمن...
هيبة جللت هذا الصباح..فترددت الخطوات في سيرها..كأنما هو يوم
لابد أن تخلع فيه كل رداء زيف لتقبل على مولاك بدون ألوان.
.أبيضًا طاهرًا نقيًا..
سارت به الحافلة ..ليتجه إلى عرفات..
عرفات الله ..التي كان يبكي نفسه فيها كل عام حالمًا بلقيا ولقاء
هاهوالآن يحقق حلمه فيطأ بقدميه صعيد عرفات..
ترآءت له صورة نبيه صلى الله عليه وسلم وهو ينفر من منى إلى عرفات..
راكبًا ناقته الآن ممسكًا بخطامها..يسير مع صحبه السائرين..
اغرورقت عيناه لهيبة الموقف فلم يتمالك نفسه لجميل الذكرى..
وعاد ملبيًا ليستجمع شيئًامن قوة..ليوم ٍ من أيام الدنيا ..ليس ككل الأيام..كيف لا..وهو يوم نزول الربّ..!!!!!
ارتعدت فرائصه..لمّا استشعر نزول الرب وجلاله وهيبته..
فانتفض كما طير صغيركسير الجناح..وعبارة تتردد في ذهنه
"ينزل ربكم عشية عرفة"..."ينزل ربكم عشية عرفة"
"ينزل ربكم عشية عرفة"..ما أعظم النازل سبحانه..وما أعظم النزول!!!
أفكارٌ أخذت تتزاحم في رأسه..وخوف ٌ من أن يكون محرومًا في هذا اليوم
ورجاءٌ يبدد ذلك الخوف..في يوم ٍ يباهي الله به ملائكته ..فيقول: انظروا
لعبادي هؤلاء..أتوني شعثًا غبرًا..أشهدكم أني قد غفرتُ لهم..""