كان يلبّي مع من يلبّي..صوتُ تلبيته يعلو تارة وينخفض أخرى تبعًا لمشاعره المضطربة..كان يراقب عبر زجاج النافذة تلك الأفواج السائرة إلى الله ..
في هيئة واحدة...يرتسم على مظهرها خطوط سكون وعلامات
افتقار..ومسكنة..وكلها تسير نحو هدفٍ واحد ومقصدها واحد..
حدّث نفسه"ترى ماذا يرجون؟؟ ماذا يريدون؟؟مم يخافون؟؟"
عادَ للتلبية ليخفف عن نفسه هيبة الوصول والتلاقي..
إنّه في ضيافة الرحمن..ترى كيف سيكون حال الضيف في دار مُضيفه..؟؟
مجرد التفكير بهذه المشاعر أقلقه ..فأعاده صوت الملبين إلى شعوره الذي حاول الفرار منه...
"لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك"
لاشريك لك""
أخذ يردد معهم .تلك الكلمات الشجية التي استخرجت من نفسه الكثير...فلم يتمالك نفسه... فانفجر باكيًا...
وصورٌ لمعاني التلبية تتعارك في رأسه ..لتعصر ذلك القلب الضعيف
كي تتجلى له معانٍ عظيمة..لم يقرأها من قبل..ولم يفهمها..
لكنه الدرس الحي...!!!
أخذ يردد بكل قوة وثبات مع الملبِّين ..لبّيك وسعديك والخير كله بيديك
والشرُّ ليس إليك أنا بك وإليك...
لبيك مولاي..لبيك ..ها أنا أجبت دعوتك ..مرة بعد مرة..أعاهدك على أن أقيم
على الطاعة ماحييت..أجبتُ نداءك..واستجبتُ لدعاءك..وأنا بحاجة إليك
وأنت غنيٌ عنّي..لبيك ماحييت..لبيك مابقيت..لبيك ولك الفضل أن ألبي
لبيك..ولك الحمد على أن دعوتني..
لبيك ياذا المن والفضل..لبيك يامولاي فامنُن على من سارَ إليك...
آهٍ ..يامنى ياديارًا سكن الفؤاد بها ,فتركته فيها رغم أنه قد ارتحل..
ليلك يامنى ليل العابدين الساهرين..ليلكِ يامنى ليل الذاكرين المستغفرين
أوَ كان ليلًا يامنى!!!..
أوَ كان يامنى يومًا من الزمن !!..
كان نورًا أشرق في القلوب فاستحالت سمائك نورانية..
أينما التفتَ في ذلك المخيّم إلا ووجد من يناجي ربه بلغة متفرّدة