الصفحة 124 من 230

عن مناصرته, انصرف الكثيرون معه عن محمد, فيهون شأنه ويضعف أمره, فجرى أحدهم يبحث عن أبي بكر في كل مكان حتى وجده في أحد مجالس قريش, فقال له هل سمعت ما يقول صاحبك يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: وما ذاك الذي يقول صاحبي؟

قال الرجل: يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس, ثم أصبح بيننا!!

فقال أبو بكر: أوقد قال ذلك؟

قال الرجل: نعم واللات والعزى لقد قال ذلك.

قال أبو بكر: لئن كان قد قال ذلك فوالله لقد صدق.

فقال الرجل في عجب ودهشة: أتصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح.

قال أبو بكر: نعم إني أصدقه حتى لو قال أبعد من ذلك. أصدقه أن الخبر يأتيه من السماء في ساعة من ليل أو نهار. أفلا أصدقه فيما هو أقل من ذلك عجبا؟!!!

وقام أبو بكر والرجل وبعض من كانوا معه, وذهبوا إلى حيث يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتحدث عن الإسراء, فلما وصلوا إلى هناك سمعوا المطعم بن عدي يقول: يا محمد: إن كنت ذهبت الليلة إلى بيت المقدس ودخلته وصليت فيه, فلا بدّ أنك شاهدته, وعرفت معالمه: من أبواب وجدران وغيرها, فصفه لنا .. ثم أضاف المطعم بن عدي قائلا: إننا نعرف أنك لم تذهب قبل هذه الليلة إلى بيت المقدس, فإذا وصفته لنا الآن كان ذلك دليلا قاطعا على أنك زرته الليلة!!!.

وهنا أحس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حيرة شديدة تعتريه, وأن كربا أو غما لا مثيل له يستولي عليه .. انه لم يذهب إلى بيت المقدس قبل هذه الليلة وحين ذهب إليها في إسرائه كان في شغل بما أنعم الله عليه من إيمان وآيات كبرى. لم يهتم بتأمل الحوائط والنوافذ والأبواب وغير ذلك من الأشياء البسيطة, كيف يعي لذلك ومعه البراق, وهو معجزة وعجب عجاب, وكان معه جبريل وهو رسول رب العالمين إليه, والوقت غير مناسب لأن ينشغل الرسول صلى الله عليه وسلم أو ينشغل ضميره بالمباني وغيرها من هذه الأشياء. فقد رأى من آيات ربه ما رأى, انشغل بكل هذه الآيات, وعاد من السماء السابعة إلى الأولى, وهبط من الأولى إلى أرض بيت المقدس كل هذه المعجزات الكبرى لم تجعله يلتفت إلى شيء من هذا القبيل حوله.

والأهم من ذلك أنه عليه السلام قد عجز ولم يجد ما يجيب به على سؤالهم.

ولما رأى هؤلاء الكفار أنه عليه السلام سكت ولم يجب, استعدوا للسخرية والتكذيب, وكان أبو بكر الصديق قد ذهب إلى بيت المقدس كثيرا وله دراية به .. وكان إلى جانب ذلك لا يشك في صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأنه عليه السلام قد زار حقا في تلك الليلة بيت المقدس, ولا جدال في ذلك. فلما رأى أبو بكر توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإجابة, ورأى القوم يوشكون أن يرفعوا أصواتهم بالسخرية والاستهزاء والتكذيب, قال أبو بكر للرسول صلى الله عليه وسلم: صفه لي يا رسول الله, فاني قد جئته وزرته عدة مرّات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت